مساحة إعلانية
في 3 يوليو 2013، ضغط كاتب من الإسكندرية زر "إنشاء مجموعة" على فيسبوك. لم يعلم فؤاد نصر الدين أنه يطلق أهم مدرسة أدبية رقمية عربية. "القصة القصيرة جدًا في مختبر السرديات" حوّلت اللايك إلى شهادة ميلاد كاتب، والتعليق إلى درس سرد، والشير إلى جسر بين طنجة وسوهاج ودمشق. رحل في 2016، لكن 21 ألف عضو وكتب ومؤتمرات وجيل كامل يشهدون: بعض الجروبات تصنع أوطانًا.

ملف أعده للنشر: مصطفى علي عمار
في 25 أبريل 2026، انطلقت في عمان ببيت عرار الثقافي بإربد فعاليات "ملتقى القيصر الثالث للقصة القصيرة جدًا" بتنظيم اتحاد القيصر للآداب والفنون، واختتمت فعالياته في 27 أبريل 2026، بمشاركة كُتّاب من مختلف المحافظات بقراءات قصصية.
وكلما عُقد مؤتمر تذكرنا الكاتب المصري فؤاد نصر الدين الغائب الحاضر، وهو ما يؤكد أن هذا الفن النثري القصير ما زال حيًا، وأن البذرة التي زرعها فؤاد نصر الدين قبل أكثر من عقد ما زالت تثمر.
*لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال: أول مؤتمر دولي للقصة القصيرة جدًا انطلق من مصر، وبيد فؤاد نصر الدين نفسه.* ففي عام 2014 نظّم "جروب القصة القصيرة جدًا في مختبر السرديات" برئاسته المؤتمر الدولي الأول للقصة القصيرة جدًا في الإسكندرية، دورة الناقد فتحي العشري، ورافقته مسابقة دولية اشترطت ألا تقل القصة عن 50 كلمة ولا تزيد عن 100 كلمة. من هنا بدأت المؤتمرات، ومن هنا خرجت التجربة من الافتراضي إلى الواقعي، قبل أن تشهد السعودية ملتقيات مشابهة في جامعة الملك سعود بنفس العام.
فكان هذا التحقيق الصحفي، وهو ليس تحقيقًا صحفيًا بالمعنى التقليدي. هو شهادة جماعية، محضر اعتراف طويل، كتبه أدباء من المحيط إلى الخليج عن رجل واحد قرر أن يجعل من صفحة زرقاء على "فيسبوك" وطنًا للكلمة، ومنبرًا للقصة القصيرة جدًا يجمع كل كُتابها من المحيط للخليج.
في 3 يوليو 2013، ضغط فؤاد نصر الدين زر "إنشاء مجموعة". لم يكن يعلم أنه يطلق صافرة البدء لأهم تجربة أدبية رقمية عربية في العقد الأخير. "القصة القصيرة جدًا في مختبر السرديات" لم تولد كمجموعة. وُلدت كحلم: أن يتحول الافتراضي إلى ورقي، والوحدة إلى جماعة، والصمت إلى كتب.
ما ستقرأه هنا ليس سيرة ذاتية لفؤاد نصر الدين. هو حنين من كُتّاب القصة القصيرة جدًا في الوطن العربي لحامل الشعلة، وهو سيرة مشروع آمن أن "اللايك" يمكن أن يكون شهادة ميلاد كاتب، وأن "التعليق" يمكن أن يكون درسًا في السرد، وأن "الشير" يمكن أن يكون جسرًا بين طنجة وسوهاج وحلب والبحر الأحمر.
ستجد في هذا التحقيق أصواتًا لأدباء وكتاب تتقاطع رغم المسافات:
غادة الصنهاجي: من المغرب تسميه "شمس القصة لا تغيب" وتوثق كيف نقل كُتّابًا من العالم الرقمي إلى الورقي.
مصطفى عوض: من تونس "فؤاد نصر الدين كاتب وناقد حوّل فيسبوك من مساحة ضجيج إلى منبر أدبي حقيقي، وترك أثرًا إنسانيًا خالدًا بروحه النبيلة وتواضعه قبل كتاباته".
بدوي الدقادوسي: من مصر "يعترف أن 7 مارس 2013 كان ميلاده الأدبي الحقيقي، وأن فؤاد صنع "كرنفال إبداع" وأخرج كتابًا يضم 111 مبدعًا".
ناصر محمد ناصر: من سوريا "يبوح كيف انتشله فؤاد من عشرين سنة يأس، وأعاده للكتابة بكلمة إعجاب واحدة".
فتحي إسماعيل: من سوهاج "يحكي كيف أحيا فؤاد آمالًا "كانت قد ماتت أو ذبلت"، وجمع شتاتًا ما كانوا ليلتقوا لولا هذه المجموعة".
محمد تركي الدعفيس: من السعودية"يوثق بالرقم والتاريخ: كيف قفزت المجموعة من صفر إلى 21 ألف عضو في 8 أشهر، وكيف حوّل فؤاد رفض مكتبة الإسكندرية إلى موسوعة نسائية تضم 1200 قصة لـ120 كاتبة".
بهيجة البقالي القاسمي: من طنجة: "بعض الراحلين لا يبتعدون، لأنهم يتحولون إلى أثرٍ حيٍّ يسكننا".
كامل صلاح كامل: من سوهاج "يراه "معبرًا" عبر منه الكثيرون إلى عالم القصة، ويصف المجموعة بأنها "بيت أدبي يحتضن الموهبة قبل أن تكتمل".
خضر الماغوط: من دمشق "يؤكد أن المجموعة لم تكن افتراضية، بل "واقعية بكل ما تحمله الكلمة من معنى".
القاسم المشترك بين كل هذه الشهادات ليس الحنين. بل الامتنان. امتنان لجيل كامل من الكُتّاب اكتشفوا أنهم ليسوا وحدهم، وأن هناك رجلاً في الإسكندرية يسهر 15 ساعة يوميًا ليقرأ نصوصهم، ويصححها، ويشجعها، وينشرها، ثم يجمعهم في كتاب، ثم يدعوهم لمؤتمر.
رحل فؤاد نصر الدين في 21 أكتوبر 2016. أغلق الجسد ملفه، لكن الملف الذي فتحه ما زال يكتب. ما زالت الكتب تصدر، وما زالت الأسماء التي رعاها تتصدر المشهد، وما زال السؤال الذي طرحه على الأدب العربي قائمًا: ماذا لو آمنّا بالبدايات؟
هذا التحقيق محاولة لتأريخ إجابة فؤاد على هذا السؤال.
هو وثيقة تثبت أن الفيسبوك لم يكن دائمًا مقبرة للوقت. أحيانًا يكون مختبرًا للخلود.
وأنه يمكن لرجل واحد، بإيمان واحد، أن يصنع من "جروب" مدرسة، ومن "بوست" كتابًا، ومن غرباء أصدقاء، ومن يأس بداية.
سلامٌ على روحه.
وسلامٌ على كل قلمٍ وُلد من أثره.

★ ابتدرنا بالكتابة والصحفية المغربية غادة الصنهاجي والتي تصفه شمس القصة لا تغيب وتقول:
عُرف الكاتب الراحل فؤاد نصر الدين بدعمه للأقلام الأدبية، تحفيزًا وتقديرًا ونشرًا. ومن خلال مجموعة "القصة القصيرة جدًا في مختبر السرديات" شجّع كُتّابًا موهوبين على تطوير مستواهم الإبداعي، وصقل مهارات الكتابة، وتحسين طرق التعبير.
ولقد عمل، رحمه الله، على العناية بكل المنخرطين في هذه المجموعة التي أسسها على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" قبل ما يربو على عقد من الزمان، موفرًا لهم الظروف الفكرية والمعنوية للتواصل والتجريب والتعريف والترويج، مما أتاح للعديد منهم فرصًا للخروج بمحاولاتهم في الكتابة من العالم الرقمي إلى الورقي، والانتقال من القراء الافتراضيين إلى القراء الحقيقيين، ومن نشر التدوينات إلى نشر مجموعات قصصية فردية وجماعية.
تكمل: كما عكف فؤاد نصر الدين على تعزيز نتاج مجموعته الأدبية في مجال القصة القصيرة جدًا، سواء من خلال كتابة المقدمات، أو القراءات النقدية، أو اللقاءات الثقافية الواقعية مع بعض الكُتّاب الأعضاء من داخل مصر وخارجها.
وحتمًا، فقدنا برحيل الكاتب والناقد فؤاد نصر الدين قبل بضع سنوات تلك الدينامية الأدبية وذلك الحضور الفاعل، لكن إرثه الإبداعي والإنساني ما زال حاضرًا بيننا، وما زالت صورته أمام أعيننا مشرقة بابتسامة لا تغيب.

★ أما الأديب التونسي المصري مصطفى عوض فيقول:
كان الراحل الكبير فؤاد نصر الدين واحدًا من الأسماء التي تركت أثرًا واضحًا في المشهد الأدبي العربي المعاصر، لا من خلال كتاباته فحسب، بل عبر حضوره الإنساني والثقافي الفاعل، ودوره الريادي في بناء مساحات أدبية حقيقية داخل العالم الرقمي. ففي زمنٍ تحوّلت فيه وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصّات عابرة للكلام السريع، استطاع فؤاد نصر الدين أن يمنح الفضاء الإلكتروني قيمة ثقافية مغايرة، وأن يحوّل بعض منصّاته إلى منابر أدبية جادّة، جمعت حولها عشرات، بل مئات الكتّاب والمهتمين بالسرد.
يضيف: كان الراحل من الروّاد الأوائل الذين أدركوا مبكرًا أن الأدب يمكنه أن يجد لنفسه حياةً جديدة داخل الفضاء الافتراضي، وأن وسائل التواصل ليست بالضرورة مساحة للضجيج، بل يمكن أن تكون ساحةً للمعنى، وللنقاش الجاد، ولصناعة الذائقة. ومن هذا الوعي الثقافي الناضج، أسّس وأدار واحدة من أبرز التجارب الأدبية على موقع "فيسبوك"، وهي مجموعة "القصة القصيرة جدًا في مختبر السرديات"؛ تلك المجموعة التي أصبحت مع الوقت ملتقى واسعًا ومهمًا لكُتّاب هذا الفن، ومحطة رئيسية لتبادل النصوص والخبرات والرؤى.
وقد شكّلت هذه المجموعة فضاءً استثنائيًا لعدد كبير من الأدباء والكُتّاب، من مختلف الأجيال والتجارب، فكانت أشبه بورشة أدبية مفتوحة، يجد فيها الكاتب قارئًا، ويجد النص من يصغي إليه بوعي ومحبة. ولم تكن "القصة القصيرة جدًا في مختبر السرديات" مجرد مجموعة للنشر، بل كانت تجربة ثقافية حيّة، أسهمت في ترسيخ هذا الجنس الأدبي، ومنحت كثيرًا من الأصوات الجديدة فرصة الظهور والتطور. وقد كنتُ واحدًا من بين أولئك الذين وجدوا في هذه المساحة الأدبية ما يشبه البيت الثقافي الرحب، الذي يجمعنا على الكلمة، ويؤمن بأن الأدب حوارٌ وتبادلٌ ورفقة.
يكمل ويوضح: ولعلّ ما ميّز فؤاد نصر الدين، إلى جانب ثقافته واهتمامه الجاد بالسرد، هو تلك الروح الإنسانية النبيلة التي كان يحملها في تعامله مع الآخرين. فقد كان رجلًا طيبًا، دمث الخلق، متواضعًا على نحو نادر، قريبًا من الجميع، لا يتعالى على أحد، ولا يصطنع دور الأستاذ رغم استحقاقه له. كان يملك من سعة الصدر ما يجعله يصغي إلى الجميع، ومن التواضع ما يجعله حاضرًا بين الكُتّاب لا فوقهم، ومن المحبة ما يجعله أبًا روحيًا لكثير من الأصوات الشابة التي وجدت فيه مشجعًا نادرًا ورفيقًا كريمًا.
لم يكن حضوره قائمًا على الصخب، بل على الأثر. ولم يكن من أولئك الذين يطلبون الواجهة، بل من الذين يصنعونها للآخرين. ولذلك بقي اسمه حاضرًا في ذاكرة كل من عرفه، لا بوصفه كاتبًا فقط، بل بوصفه إنسانًا نبيلًا أدرك أن الثقافة الحقيقية لا تُبنى بالنصوص وحدها، بل أيضًا بالأخلاق التي تحيط بها، وبالقلوب التي تؤمن بها.
لقد رحل فؤاد نصر الدين، لكن أثره لم يرحل. بقي في النصوص التي شجّعها، وفي الأسماء التي احتضنها، وفي المساحات التي أنشأها بمحبة وإخلاص، فصارت جزءًا من ذاكرة جيل كامل من الكُتّاب. وسيظل اسمه حاضرًا بوصفه واحدًا من أولئك الذين خدموا الأدب في صمت، وتركوا فيه ما هو أبقى من الحضور العابر: الأثر الطيب، والذكر الكريم، والسيرة التي تليق برجلٍ أحب الكلمة وخدم أهلها بمحبةٍ نادرة.

★ ومن مصر يفضي الأديب بدوي الدقادوسي، الذي يرى في الأستاذ فؤاد نصر الدين صانع انطلاقته الأدبية.
يقول الدقادوسي: "في هذا العام الاستثنائي 2013، واليوم الاستثنائي 7/3 الذي يوافق يوم ميلادي، أنشأ الروائي فؤاد نصر الدين مجموعة أدبية 'في مختبر السرديات' وانضممت إليها فور تكوينها. وكانت انطلاقتي الأدبية بين عمالقة الكتاب من شتى الوطن العربي".
ويستطرد: "لم يكن الأديب المبدع شخصية عادية، بل وجدت حماسًا وحيوية ونشاطًا مذهلًا جعل الجميع يتبارى في الإبداع، ليتحول المشهد الأدبي في هذا العام إلى كرنفال من الإبداع لم أشهد له مثيلًا من قبل. وكيف لا يكون بهذا التفرد وقائده قد ألغى ذاته ووهبها للجميع، فتسابق الكتاب والنقاد من كل المشارب ليقدموا أفضل ما عندهم".
ويضيف: "توثقت علاقتي بعمالقة الأدب، وقد كان يدفعني دفعًا بأحاديثه الخاصة، فوجدت في تشجيعه ضالتي. وتجلى عطاؤه في طبع أول كتاب يجمع كل المبدعين العرب، لتتحدث الصحف والبرامج عن كتاب فريد يضم رقمًا خياليًا من المبدعين؛ فقد وصل عدد من شاركوا بالكتاب 111 مبدعًا من شتى أنحاء الوطن العربي".
وحول ما صنعه الراحل له شخصيًا، يبين: "كانت انطلاقتي الأدبية من هذا المحفل، فقد بدأت رحلتي بإصدار أول عمل مطبوع لي في هذا العام تحت رعايته ومباركته، ثم توالت إصداراتي الأدبية التي حظيت بإشادته. لقد كان فضل هذا الرجل علينا جميعًا في هذا الفضاء، فخرجت كاتبات حصدت كتارا، وخرج مبدعون يتبوأون صدارة المشهد الأدبي".
ويختم شهادته: "رحم الله الأديب الإنسان والمبدع الراقي فؤاد نصر الدين".

★ ومن سورية يبوح الكاتب الساخر ناصر محمد ناصر، الذي يرى في الراحل فؤاد نصر الدين اليد التي انتشلته من اليأس وأعادته للكتابة.
يقول ناصر: "انقطعت عن الكتابة مدة عشرين سنة، واستسلمت لليأس ومقولة 'مفيش فايدة'. ثم صدفةً أرسلت لي إحدى الصديقات رابط مجموعة 'مختبر السرديات للقصة القصيرة جدًا' على الفيس بوك. فتحت الصفحة ورحت أقرأ وأقرأ. أسماء كبيرة من المغرب والسودان وتونس والجزائر والخليج العربي، وأساتذة جامعات لهم تجربة في الكتابة ولهم إصدارات كثيرة".
ويستكمل: "بقيت صامتًا عدة أسابيع، ألتهم كل ما يصدر عن مجموعة مختبر السرديات. ثم قررت أن أكتب، ثم تراجعت وقلت في نفسي: من أنا بجانب هؤلاء الأدباء؟ بقيت فترة لا بأس بها مترددًا، ثم قررت خوض المغامرة وأرسلت أولى قصصي".
ويضيف: "وكانت المفاجأة أنها نالت إعجاب الكثيرين، ومنهم فؤاد نصر الدين شخصيًا. حملت هاتفي الذكي ورحت أقول لأهلي: انظروا.. فؤاد نصر الدين معجب بقصتي. ثم توالت القصص، وتوالى إعجاب القراء والأدباء بما أكتب. هذا الشيء مدّني بقوة كبيرة، وشجعني على الاستمرار، وخاصة بعد أن أطلقت عليّ إحدى الصديقات لقب 'القيصر'".
وعن دعم المحيطين به في المجموعة، يوضح ناصر: "جاءت الدفعة الكبيرة أيضًا من الكاتب والناقد مصطفى عيد، الذي طلب مني أن أرسل له كتاباتي كي يقوم بكتابة دراسة أدبية عنها، وجاء مقاله جميلًا ومتميزًا. تعرفت في مختبر السرديات على أسماء جميلة وأدباء كبار أعتز بصداقتهم حتى الآن، وأذكر بعضهم: مصطفى عوض، نجوى كامل، بدوي الدقادوسي، شريف الجهني، رحاب النور، فتحية دبش، فتحي إسماعيل، أمينة خليل، والمرحومة هالة الشيخ من تدمر، خضر الماغوط وزوجته السيدة اعتدال عادلة، محمد الدعفيس، إيمان شرباتي، ندى قنواتي، وأسماء كثيرة أكنّ لهم كل الود والمحبة".
ويدعو في ختام شهادته: "رحم الله أستاذنا وأديبنا فؤاد نصر الدين، فقد كان سببًا في عودتي للكتابة".

★ ومن محافظة سوهاج بمصر يأتي صوت القاص فتحي إسماعيل، الذي يعتبر الأستاذ فؤاد نصر الدين مؤسس بيته الأدبي الأول ومحيي آمال الكتابة لديه.
يقول إسماعيل: "في خلال ثلاث سنوات أو أقل، استطاع الصديق والأستاذ فؤاد نصر الدين، رحمه الله، أن يؤسس ويدير بإتقان يُشهد له، ومجهود نحتسبه له عند الله، أول مجموعة من نوعها في الوطن العربي لفنون السرد، تحت مسمى «القصة القصيرة جدًا في مختبر السرديات» عام 2013، جمعت باقة من كل الأقطار العربية تقريبًا، منهم من كان قد تحقق أدبيًا، ومنهم، وربما معظمهم، لم يكن يعرفه أحد، ومن هؤلاء أنا".
ويروي: "إذ ظللت لربع قرن أكتب ما أدركت أنه أدب، دون أن أسعى أو أجرؤ على اقتحام منتديات الأدب، أو أعرّف نفسي بهذه الصفة، إلا مرات متناثرة على سبيل المصادفة البحتة، ولكنها كانت تنتهي بمجرد انتقالي من مكان إلى مكان، إلى أن وجدت نفسي داخل هذه المجموعة أنشر ما أكتبه، فأجد صدى من متخصصي السرد، وردَّ فعل شجعني على العودة إلى ما كتبت قديمًا، وحفزني إلى كتابات جديدة".
ويبين: "مثلي مثل المئات الذين صنعت لهم مجموعة «القصة القصيرة جدا في مختبر السرديات» بيتًا ومكتبة وواحة، وأحيت فيهم وفيّ آمالًا كانت قد ماتت أو ذبلت. وعلى الرغم من تكرار التجربة في ذلك الوقت، فإن جهد الأستاذ نصر الدين، ونشاطه غير العادي، في تنظيم ومتابعة المنشورات، والمشتركين، والكتابة، والرد، ومحاولة خلق أجواء من المودّة، ورفع روح الكتّاب المعنوية، أسهم في التفاف الكتّاب على اختلاف بلدانهم، وأعمارهم، وإحساسهم بألفة، أثرت الكتابة العربية بمئات الكتب، وجمعت أواصر المحبة والصداقة بين أشتات، ربما لم يلتقوا إلا من خلال هذه المجموعة الأدبية، ولا تزال أصداؤها تثمر، وشذاها يعبق الكتابة والقلوب".
وحين يستحضر أثره الخاص، يتذكر إسماعيل: "آخر مرة التقيته كانت في المؤتمر الثالث «والأخير للأسف»، والذي عُقد بمدينة الإسكندرية،2016 قبل رحيله المفاجئ بشهور قليلة، أذكره بكامل العرفان والتقدير لإيثاره غير المعهود، لكونه أديبًا يشجع كُتّابًا، لا يعرفهم، ويقتطع من وقته وجهده معظمه، وعمله الممتد، ورعايته لمواهب كانت لتندثر لولا أن جعله الله سببًا في ظهورها".
ويبتهل في ختام شهادته: "أسأل الله العلي القدير أن يجعل من حروفهم بذورًا لحسناته، ومن مجهوده إخلاصًا لوجه الله، وحصادًا جزيلًا ينتظره يوم الحساب".

★ ويستطرد مدير تحرير الوطن السعودية محمد تركي الدعفيس- روائي وإعلامي سوري- فائز بجائزة كتارا للرواية العربية 2023
واصفا تجربة مصر الدين بالحلم.. حين يصبح حقيقة
ويقول:
في الثامن من مارس 2014، أجريتُ تحقيقًا صحفيًا لصالح صحيفة "الوطن" السعودية، التي كنت أعمل مديرًا لتحريرها. حمل التحقيق عنوان: "الإبداع يتخطى التقليد ويطير بأجنحة فيسبوك"، وتناولت فيه قصة صفحة على فيسبوك كانت بعنوان "القصة القصيرة جدًا في مختبر السرديات".
كانت الصفحة قد وصلت آنذاك إلى 21 ألف عضو، وهو رقم كبير بمقاييس ذلك الوقت، إذ لم يكن فيسبوك قد أُطلق كتطبيق مستقل للهواتف المحمولة إلا قبل أقل من ثلاث سنوات بقليل.
أطلق الصفحة الراحل فؤاد نصر الدين، الذي لم يكن يتطلع إلى الاكتفاء بها كعالم افتراضي يلتقي فيه المهتمون بالقصة القصيرة جدًا، بل كان يحلم بتحويل الافتراضي إلى واقعي. فلم تكتفِ بأن تكون أشبه بمختبر يمحّص ويدقق، ويكرس مفاهيم فن أدبي يتواءم مع طبيعة السوشال ميديا القائمة على السرعة والتكثيف والاختصار، بل حققت الصفحة قفزات لافتة بما أتاحته من إمكانيات مرنة للنشر، ومن تفاعل مع النصوص، وتناولها لقصص الأعضاء بالتشريح والنقد.
شرح لي نصر الدين كيف أطلق الفكرة، راويًا حديث ولادتها: "راودتني فكرة طبع كتاب صغير الحجم يجمع بعض القصص القصيرة جدًا لزملائي أعضاء جماعة مختبر السرديات في مكتبة الإسكندرية. وحين عرضت الفكرة على المسؤولين، أبلغوني أن المكتبة لن توافق على طبعه لعدم سماح الميزانية".
يكمل: لكن نصر الدين حوّل الرفض في مكان إلى نجاح في آخر، وقال: "شغلتني الفكرة، فقررت تحمّل مصاريف طباعة الكتاب على نفقتي الخاصة. وفي اللحظة نفسها، أنشأت وأسست في 3 يوليو 2013 صفحة (القصة القصيرة جدًا في مختبر السرديات) على فيسبوك، ودعوت إليها على استحياء الزملاء والأصدقاء في المختبر، طالبًا منهم قصصهم القصيرة جدًا، لكن للأسف لم يستجب لي منهم سوى اثنين فقط".
إحباط عدم الاستجابة لم يوقف الحلم، حيث يؤكد نصر الدين: "استمر حلمي في جمع أي عدد من القصص عبر الصفحة. عملت على الإنترنت يوميًا لمدة 15 ساعة، وبعد شهر من التأسيس وصل أعضاء الصفحة إلى ألفي عضو، نشرت لهم مئات القصص".
استمرت الصفحة في ترسيخ حضورها، ووصل عدد كتّابها إلى أكثر من 600 كاتب، بينهم كتّاب كبار في بلدانهم. وبعد ثلاثة أشهر من تأسيسها، ارتفع عدد أعضائها إلى 5000، ونشرت 10 آلاف قصة. اختار نصر الدين 500 منها لـ120 كاتبًا، وكتب الدكتور أحمد المصري دراسة أكاديمية لها، وصدرت في كتاب من 156 صفحة.
لم يتوقف الحلم. فكر نصر الدين وأطلق موسوعة نسائية عربية في القصة القصيرة جدًا، ضمت 1200 قصة قصيرة جدًا لـ120 كاتبة عربية، مع دراسة للدكتور أسامة البحيري، المدرس في جامعة جازان.
بعد ثمانية أشهر، وصل أعضاء الصفحة إلى 21 ألف عضو، ففكر ليس فقط في إصدار كتب لهم، بل أطلق فكرة سلسلة ثقافية بعنوان (كاتبان × كتاب)، تقوم على إصدار كتاب يتضمن قصص كاتبين اثنين من أعضاء المجموعة. كما عمل على تحويل المعرفة الافتراضية إلى واقعية، حيث جمع عشرات الكتّاب العرب من الصفحة في مكتبة الإسكندرية خلال المؤتمر الأول للقصة القصيرة جدًا نهاية عام 2013.
إنه الحلم.. حين يصبح حقيقة.

★ ومن طنجة جاءت شهادة الأديبة المغربية بهيجة البقالي القاسمي، التي تعتبر الأستاذ فؤاد نصر الدين أثرًا لا يغيب.
تقول القاسمي: "في رحيل فؤاد نصر الدين، وإن مضت عليه سنوات، لا يزال الغياب طازجًا كأن الفقد حدث الآن. بعض الراحلين لا يبتعدون، لأنهم ببساطة يتحولون إلى أثرٍ حيٍّ يسكننا".
وتوضح: "لم يكن، رحمه الله، مجرد أديب يكتب، بل كان صانع أجيال، ومُشعل حماسة، ومؤمنًا حقيقيًا بالكلمة وبأهلها. من خلال تأسيسه لمجموعة 'السرديات' على الفضاء الأزرق، لم يخلق فضاءً افتراضيًا عابرًا، بل أسّس بيتًا أدبيًا احتضن المواهب، وفتح أبواب التعبير أمام كثيرين كانوا يخطّون خطواتهم الأولى".
وتضيف: "بفضله، كُتبت نصوص، وتشكّلت تجارب، وصدرت مجموعات قصصية مشتركة، ورأى كثير من الأقلام النور بعد تردد طويل. لم يكن يكتفي بالتشجيع، بل كان يدفع نحو الفعل: نحو الكتابة، والنقد، والطبع، والنشر. كان يؤمن أن الموهبة مسؤولية، وأن الكلمة تستحق أن تُرى وتُقرأ".
وعن وعن فضله عليها، تكشف القاسمي: "أحتفظ له بامتنان لا يزول؛ فقد كان، بعد الله، سببًا في أن أكتب، وأن أجرؤ على خوض تجربة النقد، وأن أنظر إلى القصة القصيرة جدًا بوصفها فنًا عميقًا لا يُقاس بعدد كلماته، بل بقدر ما يختزنه من حياة".
وتختم شهادتها: "رحل الجسد، لكن مشروعه باقٍ فينا، في كل نص كتبناه، وفي كل كتاب خرج إلى النور بدفعٍ منه. سيبقى اسمه علامةً مضيئةً في ذاكرة السرد العربي، ودليلًا على أن الكلمة الصادقة يمكن أن تصنع حياةً كاملة. رحم الله أستاذنا وجزاه عنا خير الجزاء".

★ ومن سوهاج بصعيد مصر يأتي صوت الكاتب كامل صلاح كامل، برثائه له الذي يعتبر الأستاذ فؤاد نصر الدين معبرًا عبر منه الكثيرون إلى عالم القصة القصيرة جدًا.
يقول كامل: "رحم الله أستاذنا فؤاد نصر الدين. لم يكن مجرد كاتب عابر في ساحة الأدب بالنسبة لي، بل كان معبرًا عبر منه الكثيرون إلى عالم القصة القصيرة جدًا. رغم رحيل الجسد، بقي أثره ما زال حيًا في كل نصٍ قصير يُدهشنا، وفي كل قلمٍ بدأ رحلته لأنه وجد من يمد له يدًا صادقة".
ويستكمل: "صنع مساحة لم تكن مجرد مجموعة، بل كانت بيتًا أدبيًا يحتضن الموهبة قبل أن تكتمل، ويؤمن بالكلمة قبل أن تلمع. كان يعرف قيمة البدايات، ويرى أن في المحاولات الأولى بذورًا تنتظر من يرعاها لكي تنبت. وقف إلى جوار الكُتّاب المبتدئين، يوجّه، يصحّح، ويشجّع دون كلل أو ملل".
ويضيف: "ساهم في ترسيخ هذا الفن الدقيق، حيث تُقال الحكاية في ومضة، وتُختزل الحياة في سطر. علّمنا أن القِصر ليس نقصًا، بل مهارة، وأن الصمت بين الكلمات أحيانًا أبلغ من الكلام. كان مميزًا بحضوره وبغيابه أيضًا".
وعن فراغه الذي تركه، يؤكد كامل: "ترك فراغًا كبيرًا خلفه وعبئًا كبيرًا لم يكن ليتحمله أحد سواه، لكنه في المقابل ترك نورًا لا ينطفئ".
ويختم شهادته: "سلامٌ على روحه، وسلامٌ على كل قلمٍ وُلد من أثره".

★ ومن سورية أيضا يضيف الأديب خضر الماغوط إن مجموعة "القصة القصيرة جدًا في مختبر السرديات"، التي أسسها الأديب الراحل القاص والروائي فؤاد نصر الدين، لم تكن مجرد مجموعة فيسبوكية افتراضية، بل بدت واقعية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
واقعيتها نبعت من شعورنا، نحن أعضاءها من كل الوطن العربي، بأننا أصدقاء حقيقيون نعرف بعضنا، نسأل عن بعضنا، ونتقاسم شغف الكلمة. وكل ذلك كان ثمرة لإدارته الواعية، واهتمامه الصادق، رحمه الله.
كانت المجموعة مدرسة حقيقية لفن القصة القصيرة جدًا. تعلمنا منها جميعًا أصول هذا الفن وقواعده، تحت إشراف ومتابعة مباشرة من الأستاذ فؤاد نصر الدين. لروحه الرحمة والسلام، وإنا لله وإنا إليه راجعون.



