مساحة إعلانية
بقلم: د. زبير سلطان رباني
كاتب في الفكر الإسلامي وقضايا الواقع المعاصر
تتفاوت نعم الله تعالى على عباده في قدرها وآثارها؛ فمنها ما يتصل بشؤون الحياة، كالرزق، والعافية، والأمن، ومنها ما يعين الإنسان على عمارة دنياه واستقامة معيشته. غير أن أجلَّ النعم، وأبقاها أثرًا، تلك التي تستقر في القلب، فتمنحه الحياة الحقيقية، وتضيء له طريقه، وتربطه بخالقه على محبة ويقين. فصلاح القلب أصل كل صلاح، واستقامته أساس كل فلاح، ومن هنا كانت الهداية أعظم عطايا الله لعباده، وأكرم المنن التي يتفضل بها على أوليائه.
وقد جمع الله هذه المنحة الربانية في آية جامعة، فقال سبحانه: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (الحجرات: 7-8). وقد رسمت هذه الآية معالم بناء القلب المؤمن في ثلاث مِنَن عظيمة: تحبيب الإيمان، وتزيينه، وتكريه الكفر والفسوق والعصيان، ثم جعلت الرشد ثمرةً لهذه العطايا الربانية؛ ليعلم المؤمن أن طريق الاستقامة يبدأ من القلب، ثم يفيض أثره على الفكر، والخلق، والعمل.
فأولى هذه المنن أن يحبب الله الإيمان إلى عبده. فإذا ألقى الله هذه المحبة في القلب، انجذبت النفس إلى الطاعة، واشتاقت إليها، وأقبلت عليها برغبة وسرور، لأن الإيمان أصبح حياةً للقلب، ونورًا للبصيرة، وقوةً تهذب السلوك، وتوجه الإنسان إلى كل ما يرضي ربه. وعندئذٍ يتحول الإيمان من مجرد معرفة إلى حقيقة حية تصوغ المشاعر، وتضبط المواقف، وتقود مسيرة الحياة.
ثم تأتي المنة الثانية في قوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (الحجرات: 7). فالتزيين يمنح الإيمان جماله في نظر صاحبه، حتى يرى أوامر الله نعمة، وأحكامه رحمة، وشرعه هداية، ويستشعر في الاستقامة عزًا، وفي الطهر كرامة، وفي مكارم الأخلاق رفعة. وهكذا تتكون في القلب ذائقة إيمانية ترى الجمال فيما يحبه الله، وتأنس بكل ما يقرب إليه، فيغدو الإيمان زينة القلب قبل أن يظهر أثره على الجوارح.
ومن ثمار هذا التزيين حلاوة الإيمان التي أخبر عنها رسول الله ﷺ بقوله: «ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد بهنَّ حلاوة الإيمان...» (البخاري، الصحيح، رقم 16؛ مسلم، الصحيح، رقم 43). وحلاوة الإيمان أثر يملأ القلب سكينة، ويغمر النفس طمأنينة، ويورث صاحبها أنسًا بالله، ورضًا بقضائه، وشوقًا متجددًا إلى مرضاته؛ فيجد المؤمن في قربه من ربه أعظم نعيم، وأصدق سعادة.
ولهذا عبَّر الصالحون عن هذه الحقيقة بأبلغ العبارات. قال مالك بن دينار رحمه الله: «مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها». قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: «معرفة الله، ومحبته، والأُنس به» (ابن القيم، مدارج السالكين، 2/89). فمعرفة الله تورث محبته، ومحبته تورث الأنس به، والأنس به يملأ القلب حياةً لا يعدلها متاع.
ثم تعرض الآية المنة الثالثة، وهي قوله سبحانه: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ (الحجرات: 7). فالقلب الذي امتلأ بمحبة الإيمان يحمل نفورًا صادقًا من كل ما يباعده عن ربه. ويثمر هذا النفور تعظيمًا لأوامر الله، وصيانةً لحدوده، ومحاسبةً للنفس، ومبادرةً إلى التوبة، وحرصًا على صفاء القلب؛ فيجتمع فيه حب الحق، وكراهية الباطل، فتكتمل معاني الهداية، ويستقيم السير إلى الله.
وتظهر قيمة هذه المنة حين تتبدل الموازين، وتُزخرف مسالك الغواية، وتُلبس الأهواء ثياب الفضائل؛ فالقلب الذي حبَّب الله إليه الإيمان، وزيَّنه في أعماقه، يمتلك بصيرةً تهديه إلى الحق، وذائقةً إيمانية تنفر من الباطل، فيبقى مطمئنًا إلى هدي الوحي، ثابتًا على الحق، معتزًا بشرع الله؛ لأن الإيمان إذا استقر في القلب أصبح الميزان الذي تُوزن به الأفكار، والمواقف، والاختيارات.
ولأجل دوام هذه النعمة، كان رسول الله ﷺ يكثر من الدعاء: «يا مُقلِّب القلوب، ثبِّت قلبي على دينك» (الترمذي، السنن، رقم 2277)، وقال أيضًا: «اللهم مُصرِّف القلوب، صرِّف قلوبنا على طاعتك» (مسلم، الصحيح، رقم 2654). وفي هذين الدعاءين تربية للمؤمن على دوام الافتقار إلى الله، وسؤاله الثبات، وحسن الخاتمة، وحفظ هذه المنة العظيمة.
ولهذا ختم الله الآية بقوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (الحجرات: 7-8). فالرشد ثمرة تحبيب الإيمان، وتزيينه في القلب، وتكريه الكفر والفسوق والعصيان، وكل ذلك فضلٌ محضٌ من الله، يؤتيه من يشاء بحكمته ورحمته.
فكلما وجد الإنسان في قلبه محبةً للطاعة، وشوقًا إليها، وإقبالًا عليها، وسرورًا بها، فليحمد الله؛ فإن ذلك من أمارات تحبيب الإيمان وتزيينه في القلب. وكلما عُرضت عليه معصية، أو دُعي إلى فسوق، أو زُخرف له باطل، فوجد في قلبه نفورًا منه، وكراهيةً له، وانصرافًا عنه، فليحمد الله مرةً أخرى؛ فإن ذلك من دلائل هذه المنة الربانية العظيمة، ومن علامات الرشد الذي امتن الله به على عباده المؤمنين.
وما أجلَّ نعمةً يفيض الله بها على قلب عبدٍ من أن يحبب إليه الإيمان، ويزينه في قلبه، ويكره إليه الكفر والفسوق والعصيان؛ فبها يحيا القلب، ويستقيم الطريق، ويكتمل الرشد، وتطيب الحياة في الدنيا، ويعظم الرجاء بالفوز برضوان الله وجنته في الآخرة.