مساحة إعلانية

منبر

منوعات

حلوة بس يا خسارة ما دايماش ..بقلم محمود النعيمي

2026-10-08 05:09 AM  - 
حلوة بس يا خسارة ما دايماش ..بقلم محمود النعيمي
محمود النعيمي

ليست كل الحكم تولد في قصور الفلاسفة، فبعضها يولد على عتبة دار من طين ويبقى.
في منتصف القرن الماضي، قالها رجل بسيط في قريتنا، فضحك جاره، ثم حفظتها القرية كلها، ولا تزال تُروى حتى يوم الناس هذا كأنها بيت من الشعر. 
أربع كلمات فقط: "حلوة بس يا خسارة ما دايماش".
كان الثلاثاء عيد قريتنا الأسبوعي. لا سوقا فحسب، بل طقسا من طقوس المودة. تستيقظ القرية قبل الفجر على رائحة السمن البلدي وهو يُقدح، و"المِرقة" تُعزل برفق، والأفران البلدية تُوقد بالحطب والبوص، والأمهات يعجنّ الرُقاق والمصبوبة والعيش الشمسي، ويحلبن، ويهيئن البيت، حتى يعود رب الدار من السوق محملا بالخير، فتجتمع الأسرة على الغداء بعد الظهر على حب ومرحمة.
في ذلك الزمن، كان يسكن رجلان متجاوران، لا يفصل بينهما سوى جدار من طين لبن. أحدهما متوسط الحال، يشتري لحم الماعز، ويؤخر أكل لحمه إلى العشاء كما اعتاد بيته. والآخر من أعيان القرية، كريم شهم، اعتاد أكل لحم البقر الشهي.
في مغرب ذلك الثلاثاء، عاد الرجل البسيط وطلب عشاءه الذي انتظره أسبوعا، فاعتذرت زوجته بخجل وقالت: القطة كشفت الغطاء وأكلت اللحم.
ارتفع صوته عتابا، فسمعه جاره الثري من خلف الجدار الطيني فناداه من خلف الجدار: يا فلان ما بالك؟ فوقف جاره على شىء مرتفع ونظر إليه من خلف الجدار وقص عليه ما حدث.
لم يزد الثري كلمة. بل قال له اهدأ واصبر ودخل غرفة نومه، وأمر أهله أن يتوجهوا إلى "ملقة الفرن" فيعدوا صينية كبيرة، رقاقا غارقا بالسمن البلدي، فوقه لحم بقري شهي، وما تيسر من خيرات السوق، ثم دار من الطريق الآخر الذي به باب جاره متوسط الحال وطرق الباب وقال: خذ هذا عوضا عما أكلته القطة، كُل أنت وزوجك وتصالحا وناما قريري العين.
في الضحى، غسل الرجل الآنية ووضع فيها شيئا من الحلوى، ومضى ليرد الجميل. فاستقبله جاره الثري مبتسما مرحبا به ومداعبا له بقوله: "حلوة أكلة امبارح؟" أي هل أكلة البارحة لذيذة؟
ابتسم الرجل متوسط الحال الذي أكلت القطة طعامه وقال جملته التي صارت مثلا إلى يوم الناس هذا: "حلوة بس يا خسارة ما دايماش".
فلسفة كاملة تخرج من فم رجل لم يقرأ كتابا! ، فقد اعترف بالفضل بقوله "حلوة"، واعترف بعدم إنكار النعمة بنفس رضية ترى الجمال وتسميه باسمه.
أما قوله "بس يا خسارة ما دايماش".. هي في وجهة نظري حكمة الزوال. إذ أن اللذة الحقيقية ليست في وفرتها، بل في دوامها، وأن القليل الدائم أبقى في القلب من الكثير المنقطع.
في هذه الحكاية درس في الستر.. الجدار كان من طين، لكنه لم يحجب المودة. كان يسمع الأنين فيتحول إلى عطاء. واليوم جدراننا من خرسانة مسلحة لا يسمع فيها الجار أنين جاره، وقلوبنا أوهى من بيت العنكبوت، ودرس كذلك في الكرم. فالكريم لا يعطي من فائضه، بل يعطي ليسد حاجة جاره، ويذهب من الباب الآخر حتى يصل إلى عتبة داره، ودرس في الرضا. أن نستمتع بما في أيدينا ونحن نعلم أنه لن يدوم، فتزداد حلاوته لأنه عابر..
أما أنا فلي وجهة نظر ربما تختلف كثيرا عن وجهات نظر الذين سمعوا بهذه القصة الحقيقية وهي: 
أن رزقك الفائت قد يكون مقدمة لرزق أفضل، فلولا أن القطة أكلت طعام الرجل المتوسط الحال، ما قُدّم إليه أفضل طعام متعارف عليه في ثقافة قريته، فلا تندم على فقد شىء أو زواله، فربما زال ليخلي المكان لشيء أفضل وأقيم وأشرف وأنفع وألذ وأمتع.
تلك كانت قريتنا. لقمة تقسم على حب، وكلمة طيبة تبقى سبعين عاما.

مساحة إعلانية