مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

حين يبحر الحبر بالغريق: في فلسفة العلاج بالقراءة ..بقلم زينب طارق العراق

2026-09-22 08:11 PM  - 
حين يبحر الحبر بالغريق: في فلسفة العلاج بالقراءة ..بقلم زينب طارق العراق
زينب طارق
إعلان بنك saib

للإنسان قاربٌ لا يُرى، يُبحر به وسط عاصفة التجربة، وكثيرًا ما يغرق حين لا يجد شراعًا يُنظّم الريح. هذا الشراع هو الحكاية: منذ اكتشف ثيودور ساربن أن العقل لا يعيش الحوادث خامًا، بل يحبكها في سردٍ يمنحها اتجاهًا، صار واضحًا أن الإنسان كائنٌ يُبحر بقصصه لا بوقائعه وحدها، وأن ذاكرته تنتقي من زبد الأمواج ما يخدم الوجهة التي اختارها لنفسه.
من رحم هذا الاكتشاف، وُلد العلاج بالقراءة: الرواية بوصفها ميناءً مؤقتًا يرسو فيه القارئ التائه، ويعير جسده لبطلٍ خيالي كي يختبر عبره عاصفةً شبيهة بعاصفته، من دون أن يغرق فعليًا. وفي بريطانيا، تحوّل هذا الميناء إلي محطة رسمية ضمن الرعاية الصحية عبر مبادرة «Reading Well»، حيث يصف الأطباء الكتاب كما يصفون الدواء، ويوصون بقراءةٍ كما يوصون بجرعةٍ دقيقة؛ لا لتلغي الألم، بل لتمنحه لغةً واتجاهًا.
لكن كل ميناءٍ معرّض لتجّار يبيعون وهم الوصول. يحذّر ستيف ساليرنو من صناعة «الزيف» (SHAM)، التي تُغري التائه بشراء خريطةٍ تلو أخرى، وتُقنعه بأن جمع الخرائط بديلٌ عن الإبحار، من دون أن تحمله سفينةٌ واحدة فعليًا نحو اليابسة.
فالسؤال الحقيقي ليس: هل الكتاب قاربٌ صالح؟ بل: هل تنزل إلي الماء، وتجدّف بيديك نحو شاطئك الخاص، أم تكتفي بالنظر إلي الشراع من بعيد، وأنت واقفٌ علي الرصيف، تُصفّق للريح طويلًا ولا تُبحر أبدًا؟

مساحة إعلانية