مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

حين يصرخ الوجع وترتجف مشاعر الإنسانية.. بقلم محمد أحمد أحمري

2026-10-02 12:10 PM  - 
حين يصرخ الوجع وترتجف مشاعر الإنسانية.. بقلم محمد أحمد أحمري
محمد أحمد أحمري

هناك أوجاع لا تستطيع الكلمات وصفها، وحكايات تختبئ خلف الوجوه، وصرخات تولد في أعماق الروح، تحمل من الألم ما يكفي لإيقاظ ضمير مجتمع بأكمله.

فليس كل مبتسم سعيدًا، ولا كل من يمشي بين الناس يعيش حياة مطمئنة. ثمة قلوب أنهكتها الخيبات، وأرواح أتعبتها الظروف، وأحلام انكسرت دون أن يشعر بها أحد.

كم من أب أرهقته المسؤوليات، وأم أخفت دموعها حتى لا ينكسر أبناؤها، وشاب اصطدمت طموحاته بواقع لا يرحم، وفتاة دفنت أحلامها تحت وطأة الأحكام الاجتماعية!

هؤلاء لا يبحثون دائمًا عن حلول خارقة، بل عن كلمة تعيد إليهم شيئًا من الأمل، وعن يد تمتد إليهم دون مقابل، وعن مجتمع يؤمن بأن كرامة الإنسان ليست امتيازًا يمنحه الأقوياء، بل حق لا يجوز المساس به.

والمؤلم أن بعضنا أصبح لا يشعر بوجع الآخرين إلا بعد وقوع المأساة، ولا يدرك قيمة الإنسان إلا حين يغيب، وكأن المشاعر لا تستحق الاهتمام إلا عندما تتحول إلى حكاية يتداولها الناس.

لقد أصبحنا نعيش في زمن تتسارع فيه وسائل الاتصال، بينما تتباعد فيه القلوب. نعرف أخبار العالم في لحظات، لكننا قد نجهل أحزان أقرب الناس إلينا. نتقن فن الحديث، لكننا نفتقر إلى فن الإصغاء، ونتسابق في إصدار الأحكام، بينما نتباطأ في تقديم الرحمة.

وأي تقدم هذا الذي ترتفع فيه المباني، وتنخفض فيه قيمة المشاعر؟ وأي حضارة تلك التي تصل إلى الفضاء، وتعجز أحيانًا عن الوصول إلى قلب إنسان مكسور؟

إن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس الفقر وحده، ولا قسوة الظروف فحسب، بل اعتياد رؤية الألم دون أن يتحرك الضمير، والتعامل مع معاناة الآخرين وكأنها شأن لا يعنينا.

حين يُهان الفقير بسبب فقره، ويُحكم على الإنسان بمظهره، وتُغلق الأبواب أمام المحتاج، ويُترك الضعيف وحيدًا في مواجهة الحياة، فإننا لا نبني مجتمعًا متماسكًا، بل نسمح للقسوة بأن تتسلل إلى تفاصيل حياتنا اليومية.

ولعل أعظم مأساة يعيشها الإنسان ليست كثرة المصاعب التي يواجهها، بل أن يجد نفسه وحيدًا حين يكون في أمسّ الحاجة إلى من يقف بجانبه.

ومع ذلك، لا يزال في هذا العالم متسع للأمل.

فكلمة صادقة قد تعيد الحياة إلى قلب أوشك على الانطفاء، ويد تمتد بالخير قد تنتشل إنسانًا من هاوية اليأس، وموقف نبيل قد يعيد إلى روح متعبة إيمانها بأن الإنسانية لم تمت.

لسنا مطالبين بأن نحمل هموم العالم بأسره، ولكننا مسؤولون عن ألا نكون سببًا في زيادة أوجاعه. ولسنا قادرين على إزالة كل العقبات من طرق الآخرين، لكننا نستطيع أن نخفف عنهم مشقة الطريق.

إن المجتمعات العظيمة لا تُقاس بثرواتها وحدها، ولا بضخامة مشروعاتها، ولا بارتفاع أبراجها، وإنما تُقاس أيضًا بمقدار الرحمة التي تسكن قلوب أبنائها، والعدالة التي تحفظ كرامتهم، والضمير الذي يستيقظ حين يتألم أحدهم.

فما قيمة مجتمع يملك كل أسباب الرفاهية، إذا كان الإنسان فيه يفتقد أبسط حقوقه في الاحترام والاحتواء؟

اقتربوا من الذين أنهكتهم الحياة، واسمعوا الذين لم يجدوا فرصة للكلام، وارحموا الذين يخوضون معاركهم بعيدًا عن أعينكم.

فقد تكون أنت النجاة لإنسان لا يعلم أحد أنه يغرق.

وفي النهاية، سيظل وجع الإنسان رسالة تتجاوز حدود الكلمات، وتذكيرًا بأن الرحمة ليست ترفًا أخلاقيًا، وأن التعاطف ليس ضعفًا، وأن كرامة البشر لا ينبغي أن تخضع للمكانة الاجتماعية أو القدرة المادية.

فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى من يغيّر حياته، بل يحتاج أحيانًا إلى من يشعر بوجوده، ويحترم وجعه، ويمنحه سببًا واحدًا ليؤمن بأن الغد يستحق الحياة.

وإذا كانت الكوارث تهز الأرض حين تقع، فإن معاناة الإنسان ينبغي أن تهز ضمير المجتمع قبل أن تتحول إلى مأساة.

فأعظم ما يمكن أن يتركه الإنسان في هذه الحياة ليس ما جمعه لنفسه، بل ما زرعه من أمل في قلوب الآخرين، وما حفظه من كرامتهم، وما تركه من أثر طيب في نفوسهم.

فالأوطان لا تنهض بالحجارة وحدها، وإنما تنهض حين يصبح الإنسان فيها أغلى من كل ما تملكه الأرض.

مساحة إعلانية