مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

قضايانا

د. رانيا لاشين:التحديات التي شكّلت شخصيتي ومنحتني قوة لا تُقدّر بثمن

2025-12-01 03:19 PM  - 
د. رانيا لاشين:التحديات التي شكّلت شخصيتي ومنحتني قوة لا تُقدّر بثمن
د. رانيا لاشين
منبر


حوار : آمال طرزان


تؤمن بأن العلم نور ورسالة وأن القيم هي الأساس الذي يُبنى عليه كل نجاح حقيقي وكان مصدر هذا والداها اللذان علماها أن الاصرار لا يعرف المستحيل وتعلمت من والدتها القوة الهادئة، تلك التي تمزج بين الحنان والحزم، ومن والدي تعلمت أن الكلمة موقف، وأن الصدق في العمل هو ما يمنح الإنسان احترامه الحقيقي. شجعها اساتذتها في مراحل الدراسة على البحث والاكتشاف، فكانوا الدافع الخفي وراء شغفها العلمي منحتها عائلتها الدعم والطاقة والسكينة التي احتاجتها للاستمرار في عملها الأكاديمي والمجتمعي، ومنحها العمل الإلهام لتكون قدوة إيجابية لأبنائها ولكل من حولها. اختارت تخصصها في تكنولوجيا التعليم والإعلام البيئي عن قناعة عميقة بأهمية الدمج بين المعرفة والتكنولوجيا لخدمة الإنسان والمجتمع. لأن التعليم هو مفتاح التغيير، وأن الإعلام هو أداته الأقوى في نشر الوعي وصناعة الفكر الجمعي. من رأيها أنه من الضروري أن يكون الإعلام البيئي جزءًا محوريًا من منظومة التعليم والتوعية، من خلال دمجه في المناهج الدراسية .. إنها الدكتورة رانيا لاشين ... ومن خلال هذا الحوار سنقترب من عالمها في تكنولوجيا الاعلام البيئي ونتعرف على شغفها بالعلم ورسالتها في الحياة من اجل تشكيل الوعى المجتمعى وبناء الوطن والنهوض به.

س - دكتورة رانيا، لو طلبت منكِ تقدمي نفسك بعيدًا عن الألقاب والمناصب… من هي رانيا الإنسانة؟
ج : بعيدًا عن الألقاب والمناصب… أنا رانيا الإنسانة قبل أي شيء. أؤمن أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملكه أو ما يصل إليه، بل بما يتركه من أثر طيب في قلوب من حوله. أرى أن العمل رسالة، وأن الإتقان والتفاني في كل ما أقوم به هما الطريق الحقيقي لتحقيق النجاح.
تعلمت أن القوة لا تعني القسوة، وأن اللين والرحمة هما أعمق أشكال القوة. أؤمن بأن في كل تجربة درس، وفي كل إنسان حكاية تستحق الإصغاء. أحب الحياة ببساطتها، وأجد سعادتي في العطاء، في أن أكون سببًا في ابتسامة، أو في إلهام فكرة تُحدث فرقًا.
أنا رانيا التي تسعى دائمًا لأن تكون طاقة إيجابية، تبعث الأمل حيث يراه البعض بعيدًا، وتؤمن أن التغيير يبدأ من الداخل، من قلب يؤمن بأن الخير ما زال ممكنًا.
س- كيف أثرت طفولتكِ وبيئتك العائلية في تكوين شخصيتك وطموحك العلمي؟ وهل كانت عائلتك داعمة لطريقك الأكاديمي منذ البداية؟
ج : نشأت في بيئة عائلية آمنت دائمًا بقيمة العلم والمعرفة، وكانت تلك هى البذرة الأولى التي غرست بداخلي حب التعلم والبحث عن الحقيقة. منذ طفولتي، كنت أجد في الكتاب صديقًا وفي الحوار مساحة لاكتشاف الذات والعالم من حولي. كانت أسرتي، ولا تزال، تؤمن بأن الطموح لا حدود له، وأن لكل إنسان رسالة يجب أن يسعى لتحقيقها مهما كانت التحديات.
دعمتني عائلتي في كل خطوة من خطواتي، لم يقتصر دعمهم على التشجيع بالكلمات، بل كان حضورهم ومساندتهم العملية دافعًا حقيقيًا للاستمرار. تعلمت منهم أن النجاح لا يأتي صدفة، بل هو ثمرة جهد وإصرار وصبر.
طفولتي منحتني حسًّا إنسانيًا عاليًا ورغبة صادقة في أن يكون لعملي الأكاديمي أثر واقعي، وأن يكون العلم وسيلة لبناء الوعي وخدمة المجتمع. ومن هنا تشكّل لدي الإيمان بأن الطريق الأكاديمي ليس مجرد مسار مهني، بل هو رحلة وعي ومسؤولية ورسالة حياة.
س-  من الشخص أو الأشخاص الذين تركوا فيكِ أثرًا لا يُمحى؟ وما القيمة أو الدرس الذي ما زال يرافقك حتى اليوم؟
 ج: هناك أشخاص يمرّون في حياتنا كأنهم محطات نور، يتركون بصمات لا تُنسى مهما طال الزمن. بالنسبة لي، كان والداي هما المصدر الأول لهذا النور. علّماني أن الإصرار لا يعرف المستحيل، وأن القيم هي الأساس الذي يُبنى عليه كل نجاح حقيقي. من والدتي تعلمت القوة الهادئة، تلك التي تمزج بين الحنان والحزم، ومن والدي تعلمت أن الكلمة موقف، وأن الصدق في العمل هو ما يمنح الإنسان احترامه الحقيقي.
كما ترك فيّ بعض أساتذتي في مراحل الدراسة بصمة لا تُمحى، إذ آمنوا بي وشجعوني على البحث والاكتشاف، فكانوا الدافع الخفي وراء شغفي العلمي.
أما الدرس الذي لا يفارقني حتى اليوم، فهو أن العطاء لا يُنقص، بل يضاعف الأثر، وأن الإنسان لا يُقاس بما يحققه لنفسه فقط، بل بما يقدمه للآخرين من حوله. هذه القيم أصبحت بوصلتي في الحياة، أعود إليها كلما ازدحمت الطرق وتشابكت الاتجاهات.
س-   فكيف استطعتِ أن تحقيقي التوازن بين الحياة العائلية والعملية  دون أن يؤثر أحدهما على الآخر؟
 ج: تحقيق التوازن بين الحياة العائلية والعملية لم يكن يومًا أمرًا سهلاً، لكنه كان دائمًا ممكنًا بالإرادة والتنظيم والوعي بالأولويات. تعلمت منذ وقت مبكر أن النجاح الحقيقي لا يكون على حساب الجانب الإنساني أو الأسري، بل في قدرتنا على إدارة الوقت والعطاء لكل جانب حقه دون إفراط أو تفريط.
كنت أتعامل مع كل دور في حياتي كقيمة مكمّلة للآخر، لا كعبءٍ عليه. فالعائلة تمنحني الدعم والطاقة والسكينة التي أحتاجها للاستمرار في عملي الأكاديمي والمجتمعي، والعمل بدوره يمنحني الإلهام لأكون قدوة إيجابية لأبنائي ولكل من حولي.
السر في نظري يكمن في المرونة والتفهم والتخطيط المسبق، إلى جانب الإيمان بأن المرأة قادرة على أن تكون ناجحة في كل مجالات حياتها، حين تُدير وقتها بحكمة وتُمارس أدوارها بحب. بالنسبة لي، التوازن ليس مجرد معادلة زمنية، بل هو حالة من الانسجام الداخلي بين ما أحب أن أفعله، وما أشعر أنه رسالتي في الحياة.
س- برأيك، كم يلعب الحب والدعم الزوجي دورًا في نجاح المرأة واستقرارها النفسي والمهني؟
ج: اؤمن تمامًا أن الحب والدعم الزوجي يشكلان ركيزة أساسية في نجاح المرأة واستقرارها، فالشراكة الحقيقية لا تقوم فقط على المشاركة في الحياة اليومية، بل على الإيمان المتبادل بقدرات كل طرف واحترام طموحه ومساحته الخاصة.
حين يكون الزوج داعمًا بحق، تصبح المرأة أكثر ثقة وطمأنينة، لأن الدعم لا يجعلها تبذل قصارى جهدها فى مسئولياتها فحسب، بل يمنحها طاقة إيجابية تدفعها للإبداع والعطاء دون خوف أو تردد النجاح في الحياة المهنية يحتاج إلى بيئة آمنة نفسيًا، والبيت هو أول تلك البيئات وأكثرها تأثيرًا.
من وجهة نظري، الحب الناضج هو الذي يُشعل الطموح لا يُطفئه، ويُعزز القوة لا يُقيّدها. وحين تلتقي المودة بالتفاهم، يتحول الزواج إلى شراكة حقيقية في رحلة الحياة، يُلهم فيها كل طرف الآخر ليكون أفضل نسخة من ذاته. 
س-  في بداياتكِ، ما أصعب المواقف أو التحديات التي واجهتِها كامرأة في حياتك العملية؟
 ج: في بداياتي العملية، واجهت العديد من التحديات التي شكّلت شخصيتي ومنحتني قوة لا تُقدّر بثمن، كأي امرأة تسعى لإثبات ذاتها في مجتمع مهني يتطلب الكثير من الجهد والإصرار، كان عليّ أن أُثبت أن الكفاءة لا تُقاس بالنوع، بل بالقدرة والالتزام والإبداع في الأداء.
أصعب ما واجهته لم يكن في حجم المسؤوليات، بل في التحدي النفسي لتجاوز الصور النمطية التي قد تضع المرأة في قوالب محددة. كان عليّ أن أوازن بين طموحي ورغبتي في الحفاظ على هويتي الإنسانية والأنثوية دون أن أسمح لأي ظرف بأن ينتقص من قيمي أو مبادئي.
تعلّمت أن الطريق ليس مفروشًا بالورود، لكنه أيضًا ليس مستحيلاً لمن تمتلك الإصرار والإيمان برسالتها. كل عقبة كانت بالنسبة لي فرصة للنضج والتعلّم، وكل تجربة صعبة كانت درسًا في الصبر والقيادة. واليوم، عندما أنظر إلى الخلف، أرى أن تلك التحديات كانت السبب في صقلي، وجعلتني أؤمن بأن المرأة قادرة على تخطي أي حاجز حين تؤمن بذاتها وبقدرتها على صنع الفرق.
س- حصلتِ على الدكتوراه في مجال تكنولوجيا التعليم والإعلام البيئي، ما الذي شدّك لهذا التخصص تحديدًا؟
ج: اختياري لتخصص تكنولوجيا التعليم والإعلام البيئي لم يكن صدفة، بل كان نابعًا من قناعة عميقة بأهمية الدمج بين المعرفة والتكنولوجيا لخدمة الإنسان والمجتمع. منذ بداياتي الأكاديمية، كنت أؤمن أن التعليم هو مفتاح التغيير، وأن الإعلام هو أداته الأقوى في نشر الوعي وصناعة الفكر الجمعي.
شدّني هذا التخصص لأنه يفتح آفاقًا واسعة للتأثير الإيجابي، فهو يجمع بين العلم والتقنية والرسالة الإنسانية، ويسمح بتوظيف أدوات الاتصال الحديثة لتشكيل وعي بيئي ومعرفي مستنير. في زمن تتسارع فيه التطورات التكنولوجية، شعرت أن من واجبي كباحثة ومهتمة بالشأن العام أن أكون جزءًا من هذا التحول، لا مجرد متفرجة عليه.
تكنولوجيا التعليم والإعلام البيئي بالنسبة لي ليست مجرد مجال بحثي، بل هي رؤية ورسالة؛ رؤية لمستقبل يعتمد على المعرفة الرقمية المستدامة، ورسالة تهدف إلى بناء مجتمع أكثر وعيًا ومسؤولية تجاه بيئته ومستقبله.
س-عملتِ في أكثر من مجال: الإعلام، التعليم، التدريب، والاستشارات… أي منها تجدي نفسك فيه أكثر؟
ج: في الحقيقة، أجد نفسي في نقطة التقاء جميع المجالات التي عملت بها الإعلام، التعليم، التدريب، والاستشارات  فكلها تشترك في هدف واحد هو الإنسان، فالإعلام يمنحني القدرة على التأثير وتشكيل الوعي، والتعليم يُمكّنني من غرس القيم والمعرفة، والتدريب يتيح لي نقل الخبرة وبناء القدرات، أما الاستشارات فهي مساحة للتفكير العميق وصياغة الرؤى الاستراتيجية.
لكن إن تحدثت عن شغفي الحقيقي، فهو الإعلام؛ لأنه المجال الذي أشعر فيه بأنني أمارس دوري الأصيل في التنوير والتأثير وصناعة الوعي المجتمعي، الإعلام بالنسبة لي ليس مهنة بقدر ما هو رسالة ومسؤولية، أؤمن من خلالها أن الكلمة قادرة على التغيير، وأن الصورة يمكن أن تبني وعيًا أو تهدم جهلًا.
ورغم تنقلي بين مجالات متعددة، فإن الإعلام يظل هو المحرك الأساسي لكل ما أقوم به، لأنه يجمع بين الفكر والتواصل، بين التأثير والإبداع، وبين الرسالة والإنسان… وهذه هي المعادلة التي أجد فيها نفسي بكل شغف.
س- عندما كنتِ مدير إدارة لمكتب وزير التربية والتعليم للاتصال السياسي والشئون البرلمانية، ما أكثر المواقف التي اختبرت فيها قوتك وصبرك؟
ج: تلك المرحلة من مسيرتي كانت بحق من أكثر الفترات ثراءً واختبارًا لقدرتي على التحمل والإدارة في آنٍ واحد، فإدارة مكتب وزير التربية والتعليم للاتصال السياسي والشئون البرلمانية لم تكن مجرد مسؤولية تنفيذية، بل كانت موقعًا يتطلب وعيًا سياسيًا عميقًا، وحنكة في التعامل مع مختلف الأطراف، من برلمانيين ومسؤولين إلى إعلاميين ومواطنين.
أكثر المواقف التي اختبرت قوتي وصبري كانت تلك التي تجمع بين ضغط الوقت وحساسية القرار، خاصة حين كان الأمر يتعلق بتمثيل الوزارة أمام البرلمان أو التعامل مع قضايا جماهيرية تمس الرأي العام. في مثل هذه اللحظات، كان عليّ أن أوازن بين الشفافية والدقة، وبين المصلحة العامة وحساسية الموقف السياسي.
تعلمت في تلك الفترة أن الصبر ليس انتظار الهدوء، بل القدرة على العمل وسط العاصفة. وأن القيادة لا تُقاس فقط بمدى السيطرة على الموقف، بل بهدوء الفكر، وسرعة البديهة، والقدرة على بناء جسور الثقة مع الجميع.
كانت تجربة صنعت مني شخصية أكثر قوة ونضجًا، وأكدت لي أن العمل العام رسالة تحتاج إلى قلب مؤمن بالعطاء، وعقل يعرف متى يتحدث ومتى يصغي.
س- ما أبرز التحديات التي تواجه المرأة في الوطن العربي عامة ومصر خاصة في الوقت الحالي؟
ج: في رأيي، ما زالت المرأة العربية والمصرية تحديدًا تواجه تحديات مركّبة تتجاوز حدود النوع الاجتماعي لتلامس عمق الواقع الثقافي والاقتصادي، ورغم ما تحقق من مكتسبات حقيقية في عهد الجمهورية الجديدة على صعيد التمكين والمشاركة، إلا أن الطريق ما زال يحتاج إلى تغيير أعمق في الوعي المجتمعي ونمط التفكير تجاه أدوار المرأة.
من أبرز التحديات اليوم هو تحقيق التوازن بين الطموح المهني والمسؤوليات الأسرية، وهو تحدٍّ تعيشه أغلب النساء العاملات في صمت، إلى جانب ضعف إتاحة الفرص في بعض القطاعات القيادية التي ما زالت تحتاج إلى مزيد من الثقة في كفاءة المرأة.
كما لا يمكن إغفال التحديات الاقتصادية التي تؤثر على تمكين المرأة، خاصة في المناطق الريفية، حيث تحتاج المرأة هناك إلى برامج تدريب وتأهيل حقيقية تفتح أمامها أبواب المشاركة الإنتاجية.
لكن ما يجعلني متفائلة هو أن الوعي يتغير تدريجيًا، والدولة المصرية اليوم بقيادة سياسية فى عهد فخامة رئيس الجهورية عبد الفتاح السيسي الذى يؤمن بدور المرأة ويُعيد رسم خريطة المشاركة النسائية في مختلف المجالات، وأنا على يقين أن المرأة المصرية أثبتت أنها لا تبحث عن امتياز، بل عن فرصة عادلة لتُثبت جدارتها، وهي بالفعل تفعل ذلك كل يوم في مواقع العمل والعطاء.
س- من موقعك الأكاديمي، كيف تري دور المناهج الدراسية في غرس قيم العدالة والمساواة بين الجنسين في عقول الأجيال الجديدة؟
ج: من موقعي الأكاديمي، أرى أن المناهج الدراسية تمثل حجر الزاوية في بناء وعي الأجيال الجديدة بقيم العدالة والمساواة، فهي ليست مجرد أدوات تعليمية، بل منظومة فكرية وثقافية تُسهم في تشكيل وجدان الطلاب وتوجيه نظرتهم لأنفسهم وللآخرين.
حين نُدرّس مفاهيم العدالة والمساواة من خلال قصص، ونماذج واقعية، وأنشطة تفاعلية، فإننا نغرسها في الوجدان قبل العقول، ونجعلها سلوكًا حياتيًا لا مجرد شعار تربوي. فالتربية على المساواة تبدأ منذ المراحل الأولى، عندما يرى الطالب أن الاحترام والتقدير لا يرتبطان بالنوع، بل بالكفاءة والعطاء.
المناهج اليوم مطالَبة بأن تكون أكثر شمولًا وإنصافًا في عرض النماذج النسائية الناجحة جنبًا إلى جنب مع النماذج الذكورية، وأن تُبرز القيم الإنسانية المشتركة التي تُوحّد لا تفرّق.
وأؤمن أن العدالة والمساواة لا تُفرض بقرارات، بل تُبنى بالوعي والتربية المستمرة، والمناهج هي الأداة الأولى التي يمكن أن تصنع هذا التحول. لذا، فإن تطويرها بما يتماشى مع رؤية الجمهورية الجديدة وتمكين المرأة والشباب هو استثمار حقيقي في بناء جيلٍ متوازن يؤمن بالتنوع كقوة، وبالاحترام كقيمة أساسية للحياة.
س- حدثينا عن البرنامج التدريبي هي للمستقبل  والتحول الرقمي؟
ج: برنامج "هي للمستقبل" يمثل بالنسبة لي نموذجًا ملهمًا لتمكين المرأة والشباب في عصر التحول الرقمي، فهو ليس مجرد برنامج تدريبي تقليدي، بل رؤية متكاملة لصناعة جيل جديد قادر على مواكبة متطلبات المستقبل والتفاعل بفعالية مع التحولات التكنولوجية التي يشهدها العالم.
من خلال هذا البرنامج، نسعى إلى بناء قدرات حقيقية للمرأة في مجالات التكنولوجيا والابتكار وريادة الأعمال الرقمية، لأننا نؤمن أن تمكينها معرفيًا وتقنيًا هو المدخل الأهم لتحقيق المساواة والتنمية المستدامة.
التحول الرقمي لم يعد خيارًا، بل أصبح لغة العصر وأداة النجاح في كل المجالات، ومن هنا جاءت فكرة البرنامج لتكون منصة تجمع بين التدريب العملي، والتأهيل المهني، ودعم المهارات الإبداعية.
وأنا أرى أن "هي للمستقبل" هو أكثر من مجرد مبادرة، إنه رسالة تؤكد أن المرأة المصرية قادرة على قيادة التغيير، لا فقط التفاعل معه، وأنها شريك أساسي في بناء الجمهورية الجديدة القائمة على العلم، والكفاءة، والابتكار.
س- لكِ نشاط واضح في مواجهة الشائعات، فبرأيك ما الدور الحقيقي للإعلام البيئي في حماية المجتمع من التضليل؟
ج: الإعلام البيئي في رأيي هو خط الدفاع الأول عن وعي المجتمع واستدامة موارده، لأنه لا يقتصر على نقل الأخبار البيئية، بل يساهم في بناء وعي جماعي مسؤول تجاه البيئة والسلوكيات اليومية المرتبطة بها. فمواجهة التضليل البيئي لا تكون فقط بتفنيد الشائعات، بل من خلال تثقيف الناس وتكوين جيل يدرك أثر أفعاله على البيئة وصحته ومجتمعه.
من خلال تجربتي الأكاديمية والميدانية، أؤمن أن الإعلام البيئي هو الجسر الذي يربط بين المعرفة العلمية والسلوك المجتمعي، فهو يُعزز ثقافة الوعي البيئي، ويدفع الأفراد إلى تبنّي ممارسات مسؤولة تحافظ على الموارد وتدعم التنمية المستدامة.
وفي ظل التحديات المناخية التي يشهدها العالم اليوم، أصبح من الضروري أن يكون الإعلام البيئي جزءًا محوريًا من منظومة التعليم والتوعية، من خلال دمجه في المناهج الدراسية، وتنفيذ حملات توعوية داخل المدارس والجامعات والمجتمعات المحلية، ليُصبح الوعي البيئي ثقافة وسلوكًا يوميًا لا مجرد مناسبة أو شعار.
وأنا أرى أن حماية المجتمع من التضليل تبدأ من الوعي البيئي، ومن تكامل دور الإعلام مع التعليم في ترسيخ قيم الحفاظ على الطبيعة، لأن الوعي البيئي الواعي هو الضمان الحقيقي لمستقبل أكثر استدامة وإنسانية .
س- كيف تقيمي وضع المرأة المصرية اليوم؟ وهل تشعري أن الطريق أصبح ممهدًا أكثر مما كان في الماضي؟
ج: المرأة المصرية اليوم تعيش عصرًا ذهبيًا حقيقيًا من التمكين والإنجاز، بفضل رؤية القيادة السياسية التي آمنت بدورها كشريك رئيسي في بناء الدولة الحديثة، لم يعد الحديث عن تمكين المرأة شعارًا، بل أصبح واقعًا ملموسًا في السياسات والتشريعات والمناصب القيادية التي تتولاها المرأة في مختلف القطاعات.
نعم، الطريق اليوم أصبح أكثر تمهيدًا مما كان في الماضي، لأن الدولة وضعت المرأة في قلب خطط التنمية المستدامة، ووفرت لها فرصًا متكافئة في التعليم والعمل والمشاركة المجتمعية والسياسية. لكن رغم هذا التقدم، ما زال أمامنا دور مهم في استكمال بناء الوعي المجتمعي وتغيير بعض الصور النمطية التي تحد من طموح المرأة في بعض البيئات.
أنا أؤمن أن المرأة المصرية لم تنتظر الفرصة يومًا، بل كانت دائمًا تصنعها بإصرارها وإخلاصها، وما نراه اليوم من نجاحات في مجالات التعليم، والإدارة، والبحث العلمي، والإعلام هو نتيجة طبيعية لعقل واعٍ وإرادة لا تعرف المستحيل.
الطريق أصبح ممهدًا، نعم، لكنه يحتاج دائمًا إلى العمل المستمر، وتكاتف المجتمع كله، حتى نحافظ على ما تحقق ونفتح آفاقًا أوسع للأجيال القادمة من الفتيات المصريات، ليكملن مسيرة الريادة بثقة واستحقاق.
س- من خلال تجربتكِ، ما أكثر ما يُتعب المرأة عندما تقود داخل المؤسسات الحكومية؟ وهل تشعرين أن المجتمع أصبح يتقبل فكرة أن تكون المرأة في الصف الأول من صُنّاع القرار؟
ج: من خلال تجربتي، أستطيع القول إن أكثر ما يُتعب المرأة داخل المؤسسات الحكومية ليس حجم المسؤوليات، بل مقاومة بعض العقليات التقليدية التي ما زالت وإن بدرجات متفاوتة تنظر إلى القيادة بمنظورٍ نمطيٍّ قديم. فالمرأة في موقع القيادة لا تواجه فقط تحديات العمل، بل تواجه أيضًا اختبارًا مستمرًا لإثبات كفاءتها وجدارتها في بيئة يغلب عليها الطابع الذكوري في بعض الأحيان.
لكن ما يبعث على التفاؤل هو أن المشهد بدأ يتغير بوضوح؛ فالمجتمع المصري أصبح أكثر تقبلًا وإيمانًا بقدرة المرأة على الإدارة وصنع القرار، خصوصًا مع النماذج النسائية القيادية التي أثبتت نجاحها في مواقع حساسة داخل الدولة.
أرى أن المرأة حين تقود، فهي لا تُنافس، بل تُكمل المنظومة بعقل متزن ورؤية شاملة وقدرة فطرية على إدارة الأزمات بذكاء عاطفي وإنساني. ومع الدعم السياسي غير المسبوق الذي تحظى به المرأة في عهد الجمهورية الجديدة، أصبح حضورها في الصفوف الأولى أمرًا طبيعيًا وليس استثنائيًا.
وفي النهاية، ما يُرهق المرأة ليس وجودها في موقع القيادة، بل إصرارها الدائم على أن توازن بين الحزم والمرونة، بين القيادة والإنسانية — وهو ما يجعل نجاحها أكثر صلابة، وتأثيرها أعمق في أي مؤسسة تعمل بها.
س- ما الفروق التي تلاحظينها بين واقع المرأة في الصعيد والمرأة في المدن الكبرى؟
ج: الفرق بين واقع المرأة في الصعيد والمرأة في المدن الكبرى لا يكمن في القدرة أو الطموح، بل في الفرص والبيئة الداعمة. فالمرأة في الصعيد لا تقل ذكاءً أو عزيمة عن نظيرتها في المدن، لكنها كثيرًا ما تواجه عوائق اجتماعية وثقافية واقتصادية تجعل طريقها إلى النجاح أكثر صعوبة.
في المدن الكبرى، تتوافر للمرأة مساحات أوسع من الحرية المهنية والتعليمية، وفرصًا أكبر للاندماج في الحياة العامة، بينما ما زالت بعض نساء الصعيد يخضن معارك يومية لكسر القيود المجتمعية والنظرة التقليدية لأدوار المرأة.
ومع ذلك، ألاحظ في السنوات الأخيرة تحولًا إيجابيًا كبيرًا في وعي نساء الصعيد، خاصة بفضل جهود الدولة ومنظمات المجتمع المدني التي تعمل على تمكين المرأة وتعزيز دورها الاقتصادي والتعليمي. أصبحنا نرى نماذج مبهرة لنساء من الصعيد يتولين مناصب قيادية ويمتلكن مشروعات ناجحة، وهو دليل واضح على أن المرأة حين تُمنح الفرصة تُثبت تفوقها أينما كانت.
أنا مؤمنة أن التحدي الحقيقي ليس في المكان، بل في مدى الإيمان بقدرة المرأة على التغيير، وأن العدالة الحقيقية هي في أن تتساوى فرص نساء الصعيد مع نساء المدن، لأن نهضة الوطن لا تكتمل إلا حين تتقدم كل نسائه معًا، بنفس الوعي ونفس الدعم.
س-  في رأيك، هل البرامج الحكومية والمبادرات المجتمعية كافية لتمكين المرأة في القرى، أم ما زال هناك ما ينقصها؟
 ج: في رأيي، لا شك أن البرامج الحكومية والمبادرات المجتمعية خلال السنوات الأخيرة حققت طفرة حقيقية في دعم وتمكين المرأة في القرى، سواء من خلال مشروعات التمكين الاقتصادي، أو برامج محو الأمية، أو المبادرات الصحية والاجتماعية، فالدولة المصرية اليوم تنظر إلى المرأة الريفية كعنصر فاعل في التنمية، لا مجرد مستفيد من الدعم.
لكن رغم هذا التقدم الملحوظ، ما زال هناك بعض المساحات التي تحتاج إلى تعزيز، خاصة في مجالات التدريب المهني، ونشر الوعي الحقوقي، وتوفير فرص العمل المستدامة التي تُمكّن المرأة من الاعتماد على ذاتها اقتصاديًا.
التمكين الحقيقي لا يُقاس فقط بوجود مبادرة أو برنامج، بل بمدى استمراريته وتأثيره على نمط الحياة داخل القري، نحن بحاجة إلى أن تصل هذه المبادرات إلى كل بيت في الريف، وأن تُترجم إلى تغيير ملموس في الفكر والثقافة والسلوك، حتى نخلق بيئة حاضنة تدعم المرأة لا تُقيّدها.
وأنا أؤمن أن المرأة في القرى المصرية تمتلك طاقة هائلة وقدرة على العطاء تفوق التوقعات، وكل ما تحتاجه هو الفرصة والتشجيع والمتابعة المستمرة، فحين تُمنح المرأة الريفية الثقة، فإنها لا تُغير واقعها فحسب، بل تُغير مستقبل مجتمعها بأكمله.
س- لو طُلب منكِ وضع خطة وطنية للنهوض بالمرأة الريفية، ما أهم الخطوط العريضة التي ستبدئين بها؟
ج: إذا طُلب مني وضع خطة وطنية للنهوض بالمرأة الريفية، فسأبدأ أولًا من الاحتياج الحقيقي للمرأة نفسها، لأن أي خطة ناجحة يجب أن تنطلق من الواقع لا من الورق، لذلك، سأضع خطوطًا عريضة ترتكز على التمكين الشامل: الاقتصادي، والتعليمي، والاجتماعي، والرقمي.
أول محور سيكون التمكين الاقتصادي المستدام، من خلال إنشاء مراكز تدريب إنتاجي وريادي داخل القرى تُعلّم النساء مهارات عملية مثل الحرف اليدوية، وإدارة المشروعات الصغيرة، والتسويق الإلكتروني، الهدف أن تتحول المرأة الريفية من متلقية للدعم إلى شريكة في الإنتاج والتنمية.
المحور الثاني هو التعليم والتثقيف المستمر، عبر حملات توعية ومحو أمية رقمية، لأن الوعي هو الأساس الحقيقي للتحرر والتمكين، وهنا يأتي دور الإعلام والتعليم في نشر ثقافة المساواة والمشاركة الفعالة.
أما المحور الثالث فهو الرعاية الاجتماعية والصحية الشاملة، لضمان تمكين المرأة من خلال بيئة صحية آمنة، تُتيح لها التفرغ للعمل والمشاركة.
المحور الرابع يتمثل في التحول الرقمي للمرأة الريفية، بتوفير بنية تحتية رقمية تُمكنها من الوصول إلى الخدمات الحكومية والتعليمية عبر الإنترنت، لأن التحول الرقمي اليوم هو بوابة العدالة في الوصول للفرص.
وفي النهاية، لن تنجح أي خطة دون تكامل الأدوار بين الوزارات، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، فتمكين المرأة الريفية ليس مهمة جهة واحدة، بل مشروع وطني لبناء إنسانة واعية، قادرة، ومؤثرة في مستقبل وطنها.
س- على الصعيد الشخصي، هل هناك حلم أو مشروع ما زال ينتظر التنفيذ في حياة رانيا لاشين؟
ج: نعم، هناك دائمًا حلم ينتظر التنفيذ، لأنني أؤمن أن الحلم هو الوقود الذي يُبقي الإنسان حيًا ومندفعًا نحو المستقبل، على الصعيد الشخصي، ما زال في داخلي شغف كبير لتحقيق مشروع وطني للتثقيف الإعلامي والرقمي داخل المدارس والجامعات، هدفه بناء وعي طلابي قادر على التمييز بين الحقيقة والزيف، ومواكبة التحول الرقمي بفكر ناقد ومسؤول.
هذا المشروع بالنسبة لي ليس مجرد مبادرة تعليمية، بل رسالة تنموية ووطنية تسعى إلى حماية عقول الأجيال الجديدة من التضليل، وتمكينهم من استخدام التكنولوجيا والإعلام كقوة بناء لا هدم.
إلى جانب ذلك، أحلم بأن أُكمل هذا المسار بإنشاء مركز بحثي وتدريبي متخصص في الإعلام البيئي والتربية الإعلامية الرقمية، يكون جسرًا بين العلم والمجتمع، يخرج منه جيل من الباحثين والإعلاميين القادرين على حمل رسالة التنمية المستدامة بوعي ومعرفة ومسؤولية.
إنه حلم أضع له الخطط وأسعى لأن يرى النور قريبًا، لأنني مؤمنة بأن الاستثمار في الوعي هو أعظم استثمار في مستقبل الوطن.
س-  لو طلبت منكِ أن تُلخّصي كل تجاربك في كلمة أو جملة تهدينها لكل امرأة عربية، ماذا ستقولين؟
ج: سأقول لكل امرأة عربية:
"آمني بنفسك أولًا… فحين تؤمنين بقدرتك، سيتغير كل شيء من حولك."
لقد علّمتني التجارب أن الحدود الحقيقية ليست في الواقع، بل في القناعة الداخلية. عندما تمتلك المرأة الإصرار والإيمان بذاتها، تصبح قادرة على أن تخلق فرصها، وتكسر القيود، وتُثبت أن النجاح ليس حكرًا على أحد.
وأُهديها رسالة من القلب: "لا تنتظري أن يمنحكِ أحد الضوء الأخضر لتبدئي، كوني أنتِ البداية" الطريق لن يكون سهلًا دائمًا، لكنه يستحق كل خطوة تُبنى بالعزيمة والإصرار. لأن المرأة العربية اليوم لم تعد تلاحق الحلم فقط، بل تصنعه بوعيها، بعلمها، وبإيمانها بأنها قادرة أن تكون في الصفوف الأولى لوطنها.
س- برأيك، كيف أن نجاحك ونجاح غيرِك من القيادات يمكن أن يشكّل قدوة تُلهم الجيل الجديد من الفتيات للسعي نحو التميز والقيادة ؟
ج: أؤمن أن القدوة الحقيقية لا تُفرض، بل تُلهم بالفعل، نجاحي ونجاح غيري من القيادات النسائية يمكن أن يشكّل رسالة قوية للفتيات الصغيرات مفادها أن الطموح لا يعرف جنسًا، بل يعرف الإصرار والاجتهاد.
حين ترى الفتاة نموذجًا لامرأة استطاعت أن تتحدى الصعاب وتصل إلى مواقع صنع القرار باجتهادها وكفاءتها، فإنها تدرك أن النجاح ليس حكرًا على أحد، بل هو متاح لكل من تؤمن بنفسها وتعمل بجد.
من هنا، أعتبر أن مسؤوليتنا كقيادات نسائية لا تتوقف عند حدود المنصب أو الإنجاز الشخصي، بل تمتد لتشمل دعم الأجيال القادمة، وفتح الأبواب أمامهن، ومشاركتهن الخبرة والتجربة.
رسالتي لكل فتاة هي: لا تخافي من أن تحلمي كبيرًا، ولا تنتظري الظروف المثالية… اصنعيها أنتِ. فكل نجاح نسائي في هذا الوطن هو شعلة تضيء الطريق لأخريات، ومع كل امرأة تنهض، ينهض وطن بأكمله.

مساحة إعلانية