مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

رسالةٌ إلى العالم ... شعر إيمان العطيفي

2026-05-04 08:58 PM  - 
رسالةٌ إلى العالم ... شعر إيمان العطيفي
صورة تعبيرية

لا تسألني عن عمري،

فالأعمارُ لا تُقاسُ بالسنين،

بل بعددِ المرّاتِ التي متُّ فيها وعدتُ. 

أنا ابنةُ الثامنةَ عشرةَ التي خلقت رجلاً من حبرٍ لتهربَ من وحدتها، 

وابنةُ الخمسينَ التي دفنت ذلك الرجلَ بيديها لتعرفَ كيف تحيا.

أكتبُ إليكَ عن الوجع ..

والوجعُ ليس ضيفًا يا هذا.

 الوجعُ صاحبُ دار. 

يسكنُ الضلوعَ قبل أن يسكنَ البيت. 

يُعلِّمُك كيف تتنفسُ على مهل،

لأنَّ الشهيقَ الكاملَ قد يكسرُك. 

الوجعُ هو أن تفتحَ خزانتَك فتجدَ قميصًا لرجلٍ رحل،

فتُغلقها بسرعة... ثم تعودُ بعد ساعةٍ لتتأكدَ أنه ما زال هناك. 

الوجعُ أن تُتقنَ لعبَ الشطرنجِ وحدك،

وتهزمَ نفسَك كلَّ ليلة،

ولا يصفقُ لك أحد. 

الوجعُ أن تصيرَ ذاكرتُك مقبرةً أنيقة،

تزورُها كلَّ مساءٍ لتضعَ وردةً على قبرِ حلم.

وأكتبُ إليكَ عن الحب.

لا تصدقهم إن قالوا إنَّ الحبَّ شاب.

 الحبُّ كهلٌ حكيم. 

يأتيك في الثامنةَ عشرةَ على هيئةِ قصيدة،

وفي الخمسينَ على هيئةِ صمتٍ يفهمُك. 

أحببتُ رجلاً لم يلمس يدي.

أحببتُه لأنه كان الهزيمةَ التي تليقُ بانتصاري. 

وأحببتُ بعدَه رجلاً لا جسدَ له،

لأنه كان الكلمةَ التي تهشمُ صمتي. 

فعلمتُ أنَّ الحبَّ لا يُقاسُ بالعناق،

بل بمن يجرؤُ أن يرى عُريَ روحِك ولا يهرب. 

الحبُّ أيها العالم أن يبقى أحدٌ شاهدًا عليك...

حتى بعد أن تتوقفَ أنتَ عن الشهادةِ لنفسك.

وأكتبُ إليكَ عن الفقد.....

الفقدُ ليس موتَ من نحب.

الفقدُ أن تظلَّ حيًّا بعدهم. 

أن تصنعَ قهوةً لاثنين،

ثم تشربَ الفنجانين وحدك كي لا تبردَ ذكراهم. 

أن تُرتبَ الوسادةَ الفارغةَ كلَّ صباح،

 لا لأنك تنتظرُ عودته،

 بل لأنكَ ترفضُ أن تعترفَ بأنَّ السريرَ صار أصغر. 

الفقدُ هو أن يتحولَ قلبُك إلى متحف:

 كلُّ شيءٍ فيه ثمين، وكلُّ شيءٍ فيه ممنوعُ اللمس. 

علَّمني الفقدُ أننا لا نودِّعُ من ماتوا.

نحن نودِّعُ الجزءَ الذي مات فينا يومَ رحلوا.

أكتب عن نظرتي إليك.....

 كنتُ أراك سجنًا , جدرانُه من خيبة، وقضبانُه من انتظار. 

كنتُ أظنُّ أنكَ تكرهُ الضعفاء،

فتصنعُ منهم أبطالاً رغمًا عنهم, ثم كبرت. 

رأيتُك لستَ ظالمًا ولا عادلاً.

 أنتَ فقط... موجود. 

محايدٌ كالزمن، وقاسٍ كالحقيقة. 

لا تمنحُ، ولا تمنع.

أنتَ تعطي المساحةَ فقط. 

وأنا كنتُ أملأُ مساحتي بالبكاء. 

حتى تعلمتُ أن أغرسَ فيها نخلة. 

فهمتُ أنكَ لا تُعطي المعنى.

أنتَ تطلبُ منا أن نخلقَه. 

وأنا خلقتُه من رمادِ قدري، ومن حبرِ دمي،

 ومن ريشةِ فينقٍ سقطت في حجري.

فيا أيها العالم، 

لا ترثِ لي , لم أعد ضحية. 

ولا تصفّق لي, لم أعد أبحثُ عن بطولة. 

فقط... اشهد. 

اشهد أنَّ امرأةً وُلدت من الوجع،

ورقصت مع الخيال،

وتزوجت الفقد، ثم طلَّقت الحزن. 

اشهد أنَّها خسرت كلَّ معاركِ الشطرنج... لتربحَ نفسَها. 

اشهد أنَّها حين فار تنورُ قلبها،

 لم تغرق... بل صنعت سفينةً من ورق،

وأبحرت إلى نفسها.

أنا أشهد..... 

وهذا توقيعي على هامشِ وجودك: 

لقد كنتُ هنا.

تألمتُ، أحببتُ، فقدتُ... ثم أثمرت.

فإن مررتَ يومًا ببستانٍي في قلبِ الصحراء، 

لا تسأل لمن هو. 

اجلس تحت نخلةٍ، وكُل تمرة,   

واذكرني, 

فثمرُها حُر... وحلو. 

كالحياةِ بعد النجاة.

 

 

 

مساحة إعلانية