مساحة إعلانية
بشرى أبو شرار: تعبر عن حنينها إلى فلسطين، وتشير إلى أن رمضان في مصر يشبه رمضان في فلسطين، مع اختلافات بسيطة.
وهيب عجمي: يصف رمضان في مالي بأنه مختلف، حيث يجد الناس هناك لطفًا ومحبة وعطاءً.
د. عبير خالد يحيي: تتحدث عن تجربتها في مصر، وتشير إلى أن رمضان هناك امتدادًا لرمضان في سوريا، مع بعض الاختلافات.
فاطمة أبو شقرا: تعبر عن حنينها إلى سوريا، وتشير إلى أن رمضان في ألمانيا يختلف عن رمضان في سوريا.
طاهر أبونضال: يصف رمضان في الأحواز المحتلة بأنه صعب، حيث يواجه المسلمون هناك اضطهادًا وقمعًا
عرفات مصلح: يتحدث عن صعوبة الصيام في الغربة، ويشير إلى أن رمضان في اليمن يتميز بأجوائه الروحانية والاجتماعية الفريدة.
تحقيق: مصطفى علي عمار

في أيام رمضان المبارك، يجد المغتربون العرب أنفسهم بين حنين الوطن وأجواء الغربة، حيث تختلف الطقوس والمظاهر الرمضانية بين بلدانهم الأصلية وبلدان إقامتهم. في هذا التحقيق، نستعرض آراء عدد من الكتاب والشعراء العرب حول تجربتهم في رمضان بعيدًا عن أوطانهم.
التقينا بالكتاب والأدباء العرب المغتربين وسألناهم عن رمضان في الغربة
★استهلت الكاتبة الفلسطينية بشرى أبو شرار الحديث بقولها: هذا أول رمضان لي في مصرنا الحبيبة، وصراحة كلما آتي الشهر الفضيل أجدني هناك حيث وطن يسكن حجرات قلبي دومًا، أسأل نفسي: "ما الذي ألم بي ؟!".. حزن لا يغادر وكأني ودعت رمضان يوم غادرت وطني هناك، أول رمضان لي في مصر هو أول عتبة من محطات الفقد، وأنا هنا أستعيد رمضان كان لي هناك، أستعيده من جديد لحظة يصلني صوت آذان المغرب، الذي يتماهى وصوت آذان المغرب في باحات الأقصى، ولحظة كنا نجهز مقاعدنا حول مائدة الافطار، كان والدي يسمعنا الدعوات قبل آذان المغرب، المذياع من صوت القدس نسمع منه الآذان، ينبهنا والدي أن ننتظر هناك فارق في التوقيت ما بين "القدس" و"غزة".

وهنا في أرض الكنانة تتماهى طقوس رمضان ووطننا هناك، إذ كان للمذياع المصري تأثير كبير في كل بيت في "غزة"، فبعد الافطار نتحلق حوله، نستمع إلى "ألف ليلة وليلة"، ترنيمات رمضانية التي منها تلونت كل مواقيت البهجة في قلوبنا، وحين نسمع شدو أغنية "رمضان جانا .. أهلا رمضان"، تصير المواقيت كلها فرح وأمل في قادم سيكون الأجمل، "رمضان فلسطين" توأم روحه "رمضان مصر"، جئنا إلى أرض الكنانة نحمل ذكريات وطن وأحبة لم يغادرونا، وجدنا في مصرنا الحبيبة "قمر الدين" هو ذاته، الكنافة، القطائف، هي مصر ومآذنها وطقوس الصلاة في باحات مساجدها، فالعلاقة بيننا وبين شعب مصر علاقة أهل وأحبة، ملامحنا لا تختلف عنهم، مصر امتداد جغرافي لوطننا الغالي فلسطين.
وعن مظاهر ليالي رمضان في فلسطين، وهل تختلف عن مثيلاتها في مصر؟ قالت: رمضان في فلسطيننا يتجلى نوره من رحاب مدينة "القدس" والطريق إليها، كل بيت في فلسطين يرنو إلى ساحات المسجد الأقصى، في صلاة الفجر، قيام الليل، سماع آذان المغرب، فالأقصى والطريق إليه هم الحلم، المحتل يضع كل المتاريس ليمنع وصول المؤمنين إليه , لكنهم يصلون رغم كل شيء، لا أنسى والدي حين كان يستعد للذهاب للقدس، وحين يعود الينا يقص علينا طقوس العبادة في ساحات الأقصى، وقيام الليل وصلاة التراويح في رحابه، والمصحف الذي أتم قراءته، وفي طريق عودته يذهب إلى "الخليل" حيث المسجد الابراهيمي، ولا ينسانا من الدعوات، والدي كانت روحه حيث الأقصى، والدتي كانت تهدينا الفرح حين نصوم، تجهز لنا طوال الوقت أصناف الحلوى، وبعد الإفطار نلتقي وجيراننا وأقاربنا ورفاق الطفولة، وحين نلتقي يظل السؤال الحائم بيننا "هل صمت اليوم ؟.." والجميع يجيب بروح الفرح "نعم"، نصوم ونصلي في المسجد بصحبة الأهل .
ليالي رمضان في فلسطين هي ذاتها كما مصرنا الحبيبة، طقوس ربانية روحانية تجمع الأهل والأحبة، الجميع يتجه إلى عالم العبادة والتقرب الروحاني إلى الله، في مصرنا الحبيبة نجد طقوس الفرح والبهجة، يجهزون لشهر رمضان قبل أن يأتي، تعلق الزينات، تجهز القاعات لتتسع لأكبر عدد من الصائمين، شعب مصر فاق كل الحدود من حيث عطائه وانتمائه وأصالته، لا أحد يشبه هذا الشعب العظيم، الله يا مصر عظيمة يا مصر .

★ومن غربته في جمهورية مالي الأفريقية يقول الشاعر اللبناني وهيب عجمي: عندما تتحدث عن رمضان يحضر البستان وطقس لبنان الساحر، وتلك التجمعات الساحرة بلطفها، وتبادل المشاعر فيها بين نسيم الجبل في صيدا، وتلك الاطلالة الساحرة على البحر... وسهرات ما بعد التراويح بالذكر والهمسات الطيبة والمدائح والأغاني التي تسعد القلوب.
تتذكر عندما تنطلق حاملًا الأكياس في السيارة، من ساحة النجمة إلى أعالي صيدا، وابنك يحمل منها ليوزع على أبناء الحي، والعابرين فيكاد كل كيس يبقى فيه قطعة أو قطعتين تذكر بمحتواه، بينما تهطل أمطار الكرم والإنسانية، بتفاحة ترمى إلى داخل السيارة أو برتقالات أو وجبة غذائية أو قطعة من الحلوى، حيث يتبادل الناس العطاء.
هذا القانون هنا في مالي لا يغيب، فالناس هنا في غاية اللطف والمحبة والعطاء، يقطعون الطرقات من أجل تقديم عطايا رمضان، وبرغم فقر ما يتم تقديمه تراه عظيمًا ورائعًا.. هنا أجمل ما تجد هي تلك هذه البسمة التي تلقاها من الصائمين والأطفال، المندفعين بعطايا رمضان ليثبتوا رجولتهم مبكرًا، فتفرح بهم حتى يرقص قلبك من الفرح.
المؤمن يرى العالم كله جميلًا، ولكن لبنان له في القلب موقع مغاير، لا يدانيه موقع آخر إلا الشام، عندما تتجه بالسيارة بعد صلاة الظهر للتسوق من دمشق، ثم تعود قبل الإفطار وقد اكتحلت العين بكل الجنات والمناظر الرائعة عبر الطريق، وتنزل ومعك عطر دمشق، بينما تركت عطر صيدا هناك، وتصدقت ببسمة في وجه دمشقي يبتسم لكلمات لبنانية يسمعها (دخيلو وشك الحلو يا خيي)، فيرد بالشامية المحببة ( أبوس روحك)... هنا تمضي إلى البيت لتغلق بابك عليك بعد الإفطار، وتقضي وقتك في استذكار تراتيل الحب في البلاد.
★ وتأخذ الناقدة والشاعرة السورية د. عبير خالد يحيي، المقيمة بالإسكندرية بعد الحرب في سورية أطراف الحديث، تقول: رمضان في مصر، هي تجربة السوريين بين الحميمية والاندماج، فهذا رمضاننا الرابع عشر في أرض الكنانة، ومنذ أن وطئت أقدامنا أرض مصر، ونحن نحمل معنا ذكريات الوطن وعاداتنا التي نشأنا عليها، ومع حلول رمضان كل عام، نجد أنفسنا نعيش تجربة تجمع بين الأصالة والتجديد، حيث يمتزج تراثنا السوري مع روحانية الأجواء المصرية. على الرغم من غربتنا، إلا أننا لم نشعر يومًا أننا بعيدون عن الديار، فقد احتضنتنا مصر وأهلها بكرمهم المعهود، وشعرنا باندماج طبيعي في مجتمعهم، حتى أصبح رمضاننا هنا امتدادًا لما كنا نعيشه في سوريا، مع بعض الاختلافات البسيطة.
رمضان في مصر تجربة غنية بالدفء والمودة
لا نشعر بأي فرق بين صيامنا في سوريا وصيامنا في مصر، بل إننا نجد في هذه التجربة امتدادًا للحياة التي كنا نعرفها، بل ربما بلمسة أكثر دفئًا، حيث العلاقات الطيبة مع المصريين والتداخل الثقافي، الذي جعلنا جزءًا لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي هنا. مصر لم تكن فقط ملجأً لنا، بل أصبحت وطنًا ثانيًا نعيش فيه، رمضان بروح الأخوة والمحبة، حاملين في قلوبنا ذكريات الوطن، وممتنين للدفء الذي وجدناه في أرض الكنانة.

وعن أجواء رمضان بين سوريا ومصر قالت: ليالي رمضان في مصر لا تختلف كثيرًا عن تلك التي كنا نعيشها في سوريا، فالمساجد عامرة بالمصلين، والشوارع تتزين بالأضواء والفوانيس، وصوت التواشيح والأناشيد يملأ الأجواء. في مصر، كما في سوريا، يسود جو من الحميمية والتواصل الاجتماعي، حيث يحرص الناس على تبادل الزيارات والتهاني، ويجتمع الأقارب والجيران في موائد الإفطار والسحور.
وتطرقت إلى موائد رمضان فقالت موائد رمضان: أصالة سورية ونكهة مصرية، فالطعام أحد أبرز جوانب الشهر الكريم، حيث نحافظ نحن السوريون على عاداتنا الغذائية، خاصة في اليوم الأول من الشهر الكريم، إذ نحرص على أن يكون الإفطار على أكلة مطبوخة باللبن(الزبادي)، مثل الشيشبرك، أو محشي الكوسا باللبن، أو الكبيبات باللبن، أو أكلة يؤكل إلى جانبها اللبن الزبادي. إضافة إلى ذلك، هناك تنوع كبير في الشوربات والعصائر، مع حضور أساسي للتمر، والسلطات التي تزين المائدة الإفطار. بعد تناول الإفطار وصلاة المغرب، يحين وقت القهوة، التي تعتبر جزءًا أساسيًا من طقوسنا اليومية، حيث نجتمع حولها قبل أن ينطلق البعض لأداء صلاة العشاء والتراويح في المساجد، بينما يفضل آخرون الصلاة في المنزل. وبعد ذلك، تتواصل اللقاءات بين الأصدقاء والجيران، حيث نتشارك الحلويات السورية كالمعروك، والمشبّك، والقطايف، والكنافة مع احتساء المزيد من القهوة. ما بعد منتصف الليل: روحانيات وعبادة، فمع تقدم الليل، يتفرغ كل شخص لعبادته، فيحرص البعض على قيام الليل وقراءة القرآن، حتى يحين وقت السحور، الذي يكون خفيفًا غالبًا، قد يقتصر على التمر والزبادي وقطعة فاكهة، تحضيرًا لصيام يوم جديد. وبمجرد أداء صلاة الفجر، نخلد إلى النوم بانتظار يوم آخر من الرحلة الرمضانية.

★وتبدي السيدة السورية فاطمة أبو شقرا المقيمة في هانوفر ألمانيا حنينها لأجواء شهر رمضان في بلدها، تقول: كثيرة هي المعاني التي يحملها شهر رمضان في سورية وفي بلاد العرب والمسلمين، لعل أهمها الشعور بدفء العائلة وصلة الرحم، وجمال التواصل بين الأهل والأقارب وما يوفره من فرص للالتقاء على موائد الإفطار أو في صلوات القيام، واجتماع كل أفراد العائلة على المائدة يتناولون الإفطار في سعادة وهم يتجاذبون أطراف الأحاديث ويتبادلون الذكريات في جو رمضاني·
وفي حلب الغالية طعم مختلف للشهر الفضيل، إذ تتحول المدينة إلى مسجد كبير وزاوية للصالحين وللذكر.. تتغير رائحة المدينة بين العطور التي تراها تنهال عليك، للبركة وعلى الاولاد و الزوج والاخوة ..رائحة الطعام الشهي الذي ينطلق من كل البيوت، فالطيبات تنتقل الى كل بيوت الحي فلا ترى محرومَا في رمضان، حتى في الحرب لم تنكسر حلب بحب أهلها وخيرهم العميم، فالمساجد مليئة بالرجال والنساء الأطفال.
الحال يختلف هنا في هانوفر في ألمانيا، في بلاد الغربة غابت كل هذه الأحاسيس، فرغم وجود العائلة الصغيرة، إلا أن هموم العمل والتعب المستمر، من أجل النجاح في مجتمع غريب عنك، يجعل من لقاءات رمضان أقل حماسة في الفرح، وأكثر هدوءا وسكينة، حيث أن طقوس رمضان في كل ركن فيها تبعث ذكريات، كانت ترافق هذه الجزئية من رمضان، فترى الأرواح وإن إجتمعت متفرقة شاردة في ماضيها، أو تراها مستعجلة لاداء واجبات ما كانت لتوجد في سورية أو في بلاد العرب في رمضان، لأن المجتمع عامة يعيش هناك نفس الحالة، ويراعي متغيرات وحاجات وعبادات رمضان، إلا أن الغربة تراها مثل رب عمل قاس لا يهتم لكل ذلك، فرمضان ليس جزءًا من تفكيره الشخصي ولا العام، وإن كنت في واقع الحال تجد احترامًا لعقائد البشر لكن خارج أوقات العمل.
وللأسف عالم الاغتراب يوفر فرصة سانحة لكثير من المسلمين كي يتهاونوا في عباداتهم، بل والإسراف في ذلك إلى درجة التهكم في حالات خاصة من الردة الاجتماعية وليس الدينية، فهؤلاء أصلًا من أصحاب دين التقليد و ليس الإيمان الراسخ.
الغربة أيضا تزيد في وجدان الإنسان، فترى للعبادات تأثيرًا عميقًا على ذاته بما يرافقها من الشوق والإحساس بالفردانية، وكأنك في خلوة وإن كثر الناس حولك..
★ويقول الإعلامي الأحوازي طاهر أبو نضال من إقليم الأحواز المحتل من إيران الذي يعيش في مملكة السويد: من الجيد أنك تجد بالسويد احترامًا للمعتقدات الدينية، ووجود المساجد لإقامة الصلوات وصلاة العيد، مما يساعد على الشعور بالطمأنينة والراحة خلال الشهر الفضيل. في بعض الدول، يتم منح المسلمين تسهيلات مثل تقليل ساعات العمل، أو توفير أماكن للصلاة في بيئات العمل..
وأنا كأحوازي عربي مسلم، أعيش رمضان بروح التحدي والصمود مثل ملايين المسلمين حول العالم، لكنه يختلف في معناه عندنا في دولة الأحواز العربية المحتلة، ففي حين يعيش المسلمون في دولهم أجواء روحانية مليئة بالطمأنينة، فإننا نواجه اضطهادًا وقمعًا من الاحتلال الإيراني الإرهابي، الذي يسعى بكل وسائله إلى طمس هويتنا العربية الإسلامية، ومحو عاداتنا الرمضانية التي توارثناها عن أجدادنا.

في الأحواز، يُمنع رفع الأذان بالعربية في المساجد، وتُراقَب التجمعات الدينية، وتُفرض قيود مشددة على صلوات التراويح والاحتفالات الدينية، حتى أن الاحتلال الإيراني يمنع بعض العائلات من إقامة موائد إفطار جماعية، خوفًا من أن تتحول إلى تجمعات توحد الأحوازيين وتذكرهم بقضيتهم.
أما في بلاد الغربة، فأجواء رمضان تختلف كثيرًا. صحيح أن هناك اختلافًا في العادات والتقاليد، لكن على الأقل نجد مساحة من الحرية لممارسة شعائرنا الإسلامية بدون خوف أو تضييق، والمسلمون في بعض الدول يقدمون المساعدات للمغتربين، سواء عبر المساجد أو الجمعيات الخيرية، ومع ذلك يبقى الحنين للأحواز حاضرًا في كل لحظة، لأن رمضان بالنسبة لنا ليس مجرد صيام، بل مناسبة لتعزيز الروابط الأسرية والاجتماعية، وإحياء العادات العربية الإسلامية الأصيلة، التي يسعى الاحتلال لطمسها بكل قوة.
يستطرد متحدثًا عن رمضان في الأحواز العربية المحتلة: رمضان في الأحواز لم يكن مجرد عبادة، بل كان جزءًا من الهوية العربية الأحوازية التي قاومت الاحتلال، وظل رغم كل الظروف رمزًا للوحدة والتكاتف بين أبناء الأحواز العربية المحتلة، فالعائلة تجتمع حول سفرة الإفطار، حيث يتم تحضير أشهى الأطباق الأحوازية، والتي كان بعضها يعتمد على ما توفره الأهوار والبرية الأحوازية من موارد طبيعية،
ومن الأكلات التي كانت تزين موائد الإفطار: الرز مع البنة (الزبدة المحلية): طبق رئيسي في رمضان، حيث كان الرز يُطهى مع البنة ليعطي نكهة غنية ومشبعة. الطيور البرية: مثل البط البري والدراج، والتي كانت تُطهى بطرق مختلفة، إما مشوية أو مع الأرز. الأسماك: مثل السمك الزبيدي والبني والشانك، التي كانت تُشوى أو تُقلى، وكان بعضها يُطهى مع التمر الهندي لإضفاء نكهة مميزة. الخضروات البرية: مثل الحماض والسبانخ البري، والتي كانت تُستخدم في تحضير أطباق جانبية غنية بالفيتامينات. الثريد: حيث يتم غمس الخبز في مرق اللحم والخضار، وكان من الأكلات المحببة في رمضان. وأخيرا التمر واللبن: كعادة كل العرب، كان الإفطار يبدأ بهما.
بعد الإفطار، كانت العائلة تجلس لساعات، نتبادل الأحاديث حول الصيام، وأحيانًا نسمع قصص الأجداد عن الأحواز قبل الاحتلال الإيراني، وكيف كانت الحياة مزدهرة قبل سرقة الاحتلال للموارد وتجفيف الأنهار.
بعد مغادرتي إلى أوروبا، شعرت بفرق واضح في الأجواء الرمضانية. لم يكن هناك ذلك الدفء العائلي أو سفرة الإفطار المليئة بمنتجات الأحواز الطبيعية. لكن رغم الغربة، بقيت القضية الأحوازية والحياة. المعيشية للأهالي حاضرة في كل رمضان.
★يتنهد الكاتب والقاص اليمني الأمريكي عرفات مصلح ويقول: ليس هذا أول رمضان لي هنا، لكنني ما أزال أتذكر أول رمضان قضيته في الغربة، والصعوبة التي واجهتها في الانتقال من محيط اجتماعي مألوف، إلى بيئة جديدة مختلفة تمامًا، حيث افتقدت الروتين الرمضاني اليمني الجميل. كان الأمر صعبًا للغاية، خاصة في مجتمع لا يمارس طقوس الصيام، وازدادت التحديات عندما كنت أعيش في ولاية لا يوجد فيها مجتمع مسلم كبير، على عكس مدن مثل ديربورن التي تحتضن جالية مسلمة وعربية كبيرة. الصيام في الغربة يكون صعبًا بطبيعته لاختلاف البيئة، ويزداد صعوبة في المدن التي لا يوجد فيها تواجد عربي أو إسلامي، لأن رمضان ليس مجرد فرض تعبدي، بل هو أيضًا طقس اجتماعي.

وعن مظاهر ليالي رمضان في بلاده، وهل تختلف عما في بلاد الغربة قال: رمضان في اليمن يتميز بأجوائه الروحانية والاجتماعية الفريدة، حيث تكتظ المساجد بالمصلين لصلاة التراويح والتهجد، ويجتمع الناس بعد الإفطار في جلسات عائلية وحاراتية يتبادلون فيها الزيارات والقهوة والحلويات التقليدية. تزدهر الأسواق ليلاً بالحركة، وتنتشر موائد الإفطار الجماعية وروح التكافل بين الناس. كما تحظى المسابقات الثقافية بشعبية كبيرة، وتُقام في المجالس والمساجد، مما يضيف جانبًا معرفيًا وترفيهيًا للأمسيات الرمضانية. ويقضي الشباب أمسياتهم في الألعاب والتجمعات، بينما يُوقظ المسحراتي النائمين للسحور بصوته التقليدي في بعض المناطق.
أما في أمريكا، فتختلف الأجواء باختلاف المدن. في الولايات التي لا يوجد فيها حضور عربي أو مسلم، يكون رمضان جافًا وصعبًا، ويعتمد الأمر على البيئة التي نعيش فيها، في الولايات والمدن ذات الجاليات العربية الكبيرة، مثل ميشيجان وديربورن يكون الروتين الرمضاني مشابهًا لما اعتدنا عليه في أوطاننا، فرمضان يحمل طابعًا مختلفًا تمامًا، وللمجتمع العربي والإسلامي تأثير واضح على نمط الحياة هناك، مما يجعل الشهر الكريم مميزًا، على سبيل المثال، تُقام موائد إفطار جماعية في المساجد، وتُنظم مهرجانات رمضانية تجمع المطاعم العربية في أماكن عامة، حيث يشارك العرب والأمريكيون معًا في الأجواء الرمضانية، وتجتمع العائلات والأصدقاء بعد صلاة التراويح في المقاهي، وسط أجواء احتفالية طوال الشهر الكريم، وتُزين المنازل بالأضواء في مشهد يشبه احتفالات رأس السنة لدى الأمريكيين، بينما تخصص شرطة المدينة أفرادًا لتنظيم المرور وتأمين المساجد، مما يعكس تفاعل المجتمع الأمريكي مع المسلمين واحترامه لمناسباتهم الدينية.
والمجتمع الأمريكي بشكل عام منفتح ويحرص على دعم التنوع الثقافي والديني، والعديد من الشركات تأخذ خصوصية رمضان بعين الاعتبار، فتضع خططًا لمساعدة الموظفين المسلمين، مثل تقليل ساعات العمل، أو تحويل الدوام إلى المساء، أو حتى منح إجازات لمن يرغب، كما أن هناك فضولًا وحرصًا لدى الكثير من الأمريكيين على فهم الثقافة الإسلامية، مما يجعل رمضان فرصة رائعة لتعريف الآخرين بعاداتنا وتقاليدنا، وليس مجرد مناسبة دينية.