مساحة إعلانية
كتب: عاطف طلب
لم يعد الحديث عن تطوير صناعة التأمين يكتمل دون التوقف أمام عنصر واحد حاسم: الإنسان. فوسط كل ما يشهده القطاع من تحولات رقمية وتسارع في الابتكار، تظل الكفاءات البشرية هي الفارق الحقيقي بين شركة تواكب المستقبل وأخرى تكتفي بملاحقته.
الحقيقة الواضحة – والتي لا تحتمل التأجيل – أن صناعة التأمين لم تعد قادرة على الاعتماد على النماذج التقليدية في التوظيف أو المهارات. نحن أمام جيل جديد يفكر بشكل مختلف، ويتحرك بسرعة، ويبحث عن بيئة عمل ملهمة، لا مجرد وظيفة. ومن هنا، يصبح استقطاب وتأهيل الكفاءات الشابة قضية بقاء لا مجرد خيار تطويري.
وفي هذا الإطار، يكتسب ملتقى التوظيف السنوي لاتحاد شركات التأمين المصرية أهمية خاصة، كونه يتجاوز فكرة “توفير فرص عمل” إلى كونه منصة حقيقية لإعادة تعريف العلاقة بين الشباب وصناعة التأمين. النسخة الثالثة، التي عُقدت في أغسطس 2026، لم تكن مجرد فعالية، بل رسالة واضحة: القطاع بدأ يدرك أن المستقبل لن يُبنى إلا بعقول جديدة.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في جذب الشباب، بل في إقناعهم. فالصورة الذهنية التقليدية عن التأمين لا تزال عائقًا أمام كثير من الخريجين، رغم أن الواقع يقول إن القطاع بات واحدًا من أكثر القطاعات تنوعًا، حيث تتقاطع فيه التكنولوجيا مع التحليل، والبيانات مع الابتكار، والخدمة مع الاستراتيجية.
اليوم، لم يعد موظف التأمين مجرد منفذ إجراءات، بل أصبح محلل بيانات، وخبير مخاطر، ومبتكر حلول. ومع دخول الذكاء الاصطناعي وتوسع الاعتماد على التكنولوجيا، تتشكل وظائف جديدة بالكامل، تحتاج إلى عقول مرنة قادرة على التعلم المستمر، لا الاكتفاء بما تعلمته في قاعات الدراسة.
وهنا تظهر الفجوة: تعليم أكاديمي في جانب، وسوق عمل سريع التطور في جانب آخر. سد هذه الفجوة لم يعد رفاهية، بل ضرورة ملحّة، وهو ما يجعل الشراكة بين الجامعات وشركات التأمين عنصرًا أساسيًا في معادلة التطوير.
اللافت أن اتحاد شركات التأمين المصرية بدأ بالفعل في التحرك بوعي في هذا الاتجاه، من خلال مبادرات التدريب، والمنح الدراسية، والتعاون مع المؤسسات التعليمية، وصولًا إلى خلق منصات تفاعلية مثل ملتقيات التوظيف، التي تمنح الشباب فرصة الاحتكاك المباشر بسوق العمل.
لكن الطريق لا يزال طويلًا. فالمنافسة على الكفاءات الشابة لم تعد داخل قطاع التأمين فقط، بل مع قطاعات التكنولوجيا والبنوك والشركات الناشئة، وكلها تقدم عروضًا جذابة. وهنا يصبح السؤال الأهم:
هل يستطيع قطاع التأمين أن يعيد تقديم نفسه كوجهة مهنية واعدة؟
الإجابة تعتمد على قدرته في توفير بيئة عمل محفزة، ومسارات واضحة للتطور، وثقافة قائمة على الابتكار، لا الروتين.
في النهاية، يمكن القول إن الاستثمار في الشباب ليس مجرد بند في استراتيجية، بل هو استثمار مباشر في مستقبل الصناعة بأكملها. فالكفاءات الشابة اليوم ليست فقط موظفي الغد، بل هي العقول التي ستعيد تشكيل قطاع التأمين، وتحدد موقعه في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة.