مساحة إعلانية
تكشف بعض المواقف التي تشهدها ساحات المحاكم من حين لآخر أهمية التذكير بإحدى الحقائق القانونية الراسخة، وهي أن العدالة لا تقوم على إرادة منفردة، بل تُبنى على توازن دقيق بين هيبة القضاء وحرية الدفاع، باعتبارهما ركيزتين لا غنى لإحداهما عن الأخرى في تحقيق المحاكمة العادلة.
فالمحامي حين يتمسك بدفع قانوني أو يصر على طلب إجرائي أو يعترض على إجراء يراه مخالفًا للقانون، لا يمارس حقًا شخصيًا أو ترفًا مهنيًا، وإنما يؤدي واجبًا أصيلًا كفله الدستور والقانون، وألزمه به قسم المهنة. فحق الدفاع ليس امتيازًا يُمنح أو يُمنع، بل ضمانة دستورية تمثل أحد أهم مقومات العدالة وسيادة القانون.
وفي الوقت ذاته، فإن ممارسة هذا الحق تظل محكومة بضوابط المهنة وأخلاقياتها وتقاليد العمل القضائي. فالدفاع المؤثر لا يُقاس بحدة الخطاب أو ارتفاع الصوت، وإنما بقوة الحجة وسلامة الاستدلال واحترام المؤسسة القضائية التي يُمارس الدفاع في رحابها.
وعلى الجانب الآخر، تبقى هيبة القضاء قيمة دستورية ومؤسسية لا ترتبط بالأشخاص، وإنما ترتبط بمكانة العدالة ذاتها. فاحترام المحكمة ليس حماية لسلطة فردية، بل ضمان لاحترام القانون وثقة المجتمع في أحكامه ومؤسساته.
ومن هنا، فإن العلاقة بين القضاء والمحاماة ليست علاقة صراع أو منافسة، بل علاقة تكامل وشراكة في خدمة العدالة. فالقاضي والمحامي يؤديان دورين مختلفين، لكنهما يلتقيان عند غاية واحدة هي كشف الحقيقة وتطبيق القانون تطبيقًا صحيحًا وعادلًا.
وتبقى الخطورة الحقيقية حين تتحول قاعة المحكمة من منبر للحوار القانوني إلى ساحة للخلاف الشخصي؛ فالمحاكم لم تُنشأ لحسم صراعات الإرادات، وإنما لحسم النزاعات وفق أحكامف القانون. والعدالة لا تنتصر للأشخاص، بل تنتصر للحقيقة وللحق المجرد.
لقد أرست التقاليد القضائية المصرية عبر عقود طويلة قاعدة ذهبية مفادها أن المحامي القوي في دفاعه محل احترام، كما أن القاضي الحازم في إدارة جلسته محل تقدير. وعندما يجتمع الدفاع الجاد مع القضاء المهيب في إطار من الاحترام المتبادل، تتعزز الثقة في العدالة وتترسخ سيادة القانون.
فالعدالة لا تحتاج إلى صخب أو استعراض، وإنما تحتاج إلى قانون يُحترم، وإجراءات تُصان، وحقوق تُكفل للجميع. وعندئذ فقط تصدر الأحكام في وقار، ويطمئن المجتمع إلى أن الحقيقة قد أُتيح لها أن تُسمع، وأن القانون ظل فوق الجميع.