مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

صابر سكر يكتب: الدفاع الموضوعي.. متى يجوز للمحكمة عدم الالتفات إليه؟

2026-08-21 11:46 AM  - 
صابر سكر يكتب: الدفاع الموضوعي.. متى يجوز للمحكمة عدم الالتفات إليه؟
صابر سكر
إعلان بنك saib

تثير مسألة الدفاع الموضوعي أمام محاكم الموضوع إشكالية مهمة تتعلق بمدى التزام المحكمة بسماع دفاع المتهم وتحقيقه والرد عليه، خاصة في ضوء ما استقر عليه قضاء محكمة النقض.
وقد قررت محكمة النقض أنه:«لما كان ذلك، وكان من المقرر أنه وإن كان القانون قد أوجب على محكمة الموضوع سماع ما يبديه المتهم من أوجه دفاع وتحقيقه، إلا أنه متى كانت الواقعة قد وضحت لدى المحكمة أو كان الأمر المطلوب تحقيقه غير منتج في الدعوى فلها أن تعرض عن ذلك مع بيان العلة».
وأضافت المحكمة أن الطلب إذا كان لا يتجه إلى نفي الفعل المكون للجريمة أو إثبات استحالة حصول الواقعة، وإنما يستهدف مجرد إثارة الشبهة في الدليل الذي اطمأنت إليه المحكمة، فإنه يُعد دفاعًا موضوعيًا لا تلتزم المحكمة بإجابته.
ومن هذا القضاء يتبين أن الدفاع الذي يتعين على محكمة الموضوع إجابته وتحقيقه هو ذلك الذي يتجه إلى نفي الفعل المكون للجريمة، أو إثبات استحالة حصول الواقعة بالصورة التي وردت بها في الأوراق.
أما الدفاع الذي لا يتجاوز إثارة الشبهة في الدليل، فيجوز للمحكمة إطراحه، متى بينت العلة التي دعتها إلى ذلك.
ومع ذلك، نرى أن الأمر لا ينبغي أن يُفهم على نحو يضيّق من سلطة المحكمة في البحث والتحقيق، أو يحول دون تمكينها من الوصول إلى الحقيقة.
فإذا أرادت محكمة الموضوع أن تقطع الشك باليقين بشأن دليل مطروح عليها، فلا يحول بينها وبين إجابة المتهم إلى طلبه أن يكون هذا الطلب من شأنه مجرد إلقاء الشبهة على الدليل، متى رأت المحكمة أن تحقيقه قد يكشف وجهًا من وجوه الحقيقة في الدعوى.
ذلك أن حرية القاضي الجنائي في تكوين عقيدته، والموازنة بين أدلة الإثبات وأدلة النفي، تظل من صميم وظيفته القضائية، ولا ينبغي أن تتحول القواعد المنظمة للدفاع إلى قيود تمنعه من استجلاء الحقيقة.
فطبيعة العقيدة الجنائية أنها تقوم على الاقتناع القضائي الحر، وهو ما عبر عنه المشرع في المادة 303 من قانون الإجراءات الجنائية بالنص على أن:
«يحكم القاضي في الدعوى حسب العقيدة التي تكونت لديه بكامل حريته».
هل انتصرت النقض للمحكمة على حساب الدفاع؟
يبدو أن محكمة النقض، في هذا الاتجاه، قد راعت إلى حد كبير العبء الواقع على عاتق محاكم الموضوع، في ظل الكم الهائل من القضايا التي تنظرها المحاكم يوميًا، فأرادت ألا تُثقل كاهلها بضرورة تتبع كل جزئية يثيرها الدفاع والرد عليها، متى كانت الواقعة واضحة لديها وكان الدفاع غير منتج في الدعوى.
غير أن هذا الاتجاه، في تقديرنا، يثير إشكالية أخرى تتعلق بأحد أهم ضوابط المحاكمة العادلة، وهو حق الدفاع.
فالمشكلة العملية تظهر عندما نحتكم إلى المستقر عليه من قضاء النقض في الطعن على الأحكام بدعوى الإخلال بحق الدفاع، ثم نجد أن تطبيق هذا المبدأ أصبح، في كثير من الأحوال، محدود الأثر أمام كثرة الأحكام التي تقضي برفض هذا النعي.
والأخطر من ذلك أن التوسع في وصف بعض أوجه الدفاع بأنها «دفاع موضوعي» قد يؤدي عمليًا إلى عدم التمييز بصورة كافية بين الدفاع الموضوعي الذي لا يستوجب التتبع والرد في كل جزئية، والدفاع القانوني أو الدفاع القانوني المختلط بالواقع، الذي يتعين على المحكمة إيراده والرد عليه متى كان جوهريًا ومنتجًا في الدعوى.
ومن هنا تظل المسألة في حاجة إلى قدر من الدقة في التطبيق؛ حتى لا يتحول التخفيف من عبء التسبيب إلى انتقاص من حق الدفاع، ولا تتحول حرية المحكمة في تكوين عقيدتها إلى ذريعة لإغفال دفاع جوهري قد يتغير به وجه الرأي في الدعوى.
فالمحكمة حرة في تكوين عقيدتها، لكن هذه الحرية لا تعني التحرر من واجبها في تمحيص الدفاع الجوهري المنتج.

مساحة إعلانية