مساحة إعلانية
إعداد : دكتورة نوران الرجال الباحثة اللوجستية و عضو لجنة النقل البحري
لم تعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين مجرد خلافات حول الرسوم الجمركية والتجارة، بل تحولت إلى صراع أوسع يمتد إلى التكنولوجيا والصناعة والطاقة والمعادن وسلاسل الإمداد والنقل البحري، ومع استمرار هذا التنافس، يعاد تشكيل خريطة التجارة العالمية، وتبحث الشركات الكبرى عن أسواق ومواقع إنتاج جديدة تقلل اعتمادها على دولة واحدة.
الصين، رغم الضغوط الأمريكية، لا تبدو في طريقها للتراجع عن مكانتها الصناعية، لكن من المرجح أن تعيد توزيع جزء من استثماراتها وأسواقها، وأن تتوسع في مناطق جديدة في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، كما قد تتجه بعض الشركات الصينية إلى إنشاء مصانع خارج الصين للوصول إلى الأسواق العالمية وتجاوز القيود التجارية.
وهنا تظهر فرصة مهمة أمام مصر، خاصة مع امتلاكها موقعًا استراتيجيًا، وقناة السويس، وشبكة من الموانئ والمناطق الصناعية واللوجستية، إلى جانب قدرتها على الوصول إلى أسواق عربية وأفريقية وأوروبية.
لكن الاستفادة من هذه الفرصة لا تعني زيادة الواردات الصينية أو إقامة مراكز لإعادة التصدير فقط، وإنما جذب استثمارات تقوم على التصنيع الحقيقي ونقل التكنولوجيا وزيادة المكون المحلي والتصدير.
فمصر ليست الدولة الوحيدة التي تسعى لجذب الشركات التي تعيد ترتيب سلاسل إمدادها، وهناك منافسة قوية من دول مثل الهند وفيتنام وتركيا والمكسيك، لذلك فإن الموقع الجغرافي وحده لم يعد كافيا؛ فالمنافسة أصبحت مرتبطة بتكلفة الإنتاج، وسرعة الإجراءات، وكفاءة الموانئ، وتوافر العمالة المدربة، وقدرة المنتج على المنافسة في الأسواق الخارجية.
ومن هنا تأتي أهمية قناة السويس. فالقيمة الحقيقية لمصر لا يجب أن تتوقف عند مرور السفينة أو الحاوية، وإنما في الخدمات والأنشطة التي يمكن بناؤها حول حركة التجارة، من التخزين والتوزيع إلى التصنيع والتجميع والصيانة وإعادة التصدير.
وبالمعنى نفسه، يمثل تطوير الأسطول التجاري المصري خطوة مهمة في تعزيز قدرة الدولة على المشاركة في منظومة النقل البحري، ودخول سفينتي الصب الجاف «وادي النيل» و«وادي القمر» إلى الأسطول، ضمن توجه يستهدف زيادة عدد السفن المملوكة للشركات التابعة لوزارة النقل، يعكس أهمية امتلاك أدوات نقل وطنية إلى جانب تطوير الموانئ والخدمات اللوجستية.
لكن الفرصة تحمل في المقابل مخاطر لا يمكن تجاهلها. فإذا زادت الضغوط على المنتجات الصينية في بعض الأسواق، فقد تتجه كميات أكبر منها إلى أسواق بديلة، وهو ما قد يرفع المنافسة أمام الصناعة المصرية، لذلك فإن المطلوب ليس إغلاق السوق أمام المنتجات الصينية، وإنما بناء علاقة اقتصادية أكثر توازنًا تقوم على الاستثمار والإنتاج المشترك بدلًا من الاستيراد فقط.
وفي الوقت نفسه، يمكن لمصر الاستفادة من الشركات الأمريكية والغربية التي تبحث عن مواقع جديدة للإنتاج وتنويع سلاسل الإمداد، ولذلك فإن المصلحة المصرية لا ترتبط بالانحياز إلى طرف، وإنما بقدرة الدولة على جذب الاستثمارات من مختلف الأطراف وفقًا لأولويات الاقتصاد الوطني.
وتظل الصناعة هي مفتاح الاستفادة الحقيقية من هذه التحولات. فكل استثمار ينتج ويصدر ويوفر فرص عمل وينقل التكنولوجيا يمثل قيمة أكبر من مجرد تدفق تجاري مؤقت، خاصة في قطاعات مثل الصناعات الهندسية، ومكونات السيارات، والغذاء، والمنسوجات، والكيماويات، والإلكترونيات، والدواء ومعدات الطاقة.
أما على مستوى الاقتصاد الكلي، فإن استمرار التوترات العالمية قد يرفع تكاليف الشحن والطاقة والمواد الخام، ويؤثر على حركة التجارة والاستثمار، وهو ما يجعل زيادة الموارد الدولارية المستدامة من الصادرات والاستثمار والسياحة وغيرها ضرورة لحماية الاقتصاد من الصدمات الخارجية.
في النهاية، قد لا تدفع الحرب الاقتصادية الصين إلى التخلي عن موقعها الصناعي، لكنها قد تدفعها إلى تنويع أسواقها واستثماراتها وسلاسل إنتاجها، وهذه التحولات يمكن أن تمثل فرصة لمصر إذا تحركت بسرعة ونجحت في تقديم نفسها كمركز للإنتاج والتجارة والخدمات اللوجستية.
المعادلة ببساطة ليست: من سينتصر، الصين أم أمريكا؟ وإنما: من سيعرف كيف يستفيد من الصراع؟
ومصر تملك مقومات تؤهلها لذلك، لكن التحدي الحقيقي هو تحويل هذه المقومات إلى إنتاج وصادرات وقيمة مضافة، فالمطلوب ألا تظل مصر مجرد ممر تمر عبره البضائع، بل أن تصبح مكانًا تُصنع فيه، وتُخزن، وتُنقل، ثم تنطلق منه إلى أسواق العالم.
وهنا تتحدد قيمة كل خطوة في تطوير الموانئ والأسطول التجاري والمناطق الصناعية واللوجستية؛ باعتبارها أجزاء من هدف أكبر، هو أن تمتلك مصر دورا حقيقيا داخل سلاسل الإمداد العالمية، لا أن تكتفي بمراقبة إعادة تشكيلها من بعيد.