مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

صيّاد الضوء.. حمدى حسين، شاعر ينقذ ذاكرة الشعر للشاعر الكبير عادل صابر

2026-08-06 02:45 PM  - 
صيّاد الضوء.. حمدى حسين، شاعر ينقذ ذاكرة الشعر  للشاعر الكبير عادل صابر
الشاعر الكبير عادل صابر
إعلان بنك saib

حين قرر الشعر أن يدافع عن نفسه…

ليست أخطر الهزائم تلك التي تُعلن في ميادين القتال، بل تلك التي تقع في الذاكرة. فحين غابت جائزة شعر العامية من جوائز الدولة قبل نحو مايقرب من عام، لم يكن الغياب مجرد حذف لفرع من فروع الجوائز، بل بدا لكثيرين كأنه محاولة لإزاحة صوت ظل لعقود طويلة، واحداً من أكثر الأصوات التصاقا بالوجدان المصري. فالعامية ليست ابنة أقل شأناً من الفصحى، ولا هي ظلها الباهت. إنهما نهران يصبان في بحر واحد اسمه الشعر. وإذا كانت الفصحى ترتفع باللغة إلى مقامها البلاغى، فإن العامية تهبط بها إلى قلب الناس مباشرة، فتتكلم بلهجتهم، وتبكى بدموعهم، وتضحك بضحكاتهم، وتحفظ تفاصيل حياتهم الصغيرة التي لا تلتقطها القواميس. وفي اللحظات التي تتراجع فيها المؤسسات، يتقدم الأفراد. هكذا فعل الشاعر الكبير حمدي حسين. لم يدخل معركة صاخبة، ولم يكتب بيانا غاضبا، بل اختار السلاح الذي لا يصدأ: القصيدة نفسها.
من هنا ولدت مبادرة "كل يوم شاعر"؛ فكرة تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها في جوهرها فعل مقاومة ثقافية بالغ النُبل. كل يوم يفتح نافذة على شاعر من شعراء العامية، يقدم له بكلمات قليلة، ثم يترك القصيدة تتحدث بلغتها الحرة، دون وصاية، ودون ضجيج..ومع الأيام لم تعد المبادرة مجرد منشورات متتابعة على صفحة شخصية، بل تحولت إلى أرشيف حي، وخريطة واسعة لتجارب شعرية متعددة، ومدارس مختلفة، وأجيال متعاقبة. صار كل منشور حجراً جديداً في بناء ذاكرة شعرية كان يمكن أن تتآكل بالنسيان.....إن الأمم لا تحفظ تراثها بالقرارات وحدها، وإنما تحفظه أيضا بالمحبين. وحمدي حسين، في هذه المبادرة، لم يكن جامعاً للنصوص، بل كان حارسا لذاكرة كاملة، يلتقط ما قد يتساقط من بين أصابع الزمن، ويمنحه فرصة أخرى للحياة.
وعندما ترى هذا المنجز الضخم، وتعرف أنه سيصدر في سلاسل متتابعة، تدرك أن المبادرات الفردية قد تنجز أحياناً ما تعجز عنه المؤسسات. فهناك أشخاص لا يكتفون بكتابة الشعر، بل يكتبون أيضا تاريخه....وسيأتي يوم يبحث فيه الباحثون عن صورة صادقة لحركة شعر العامية في هذه المرحلة، فلن يجدوا أمامهم مجرد كتاب، بل سيجدون عملا بدأ بمنشور يومى، وانتهى بوثيقة ثقافية لا تقدر بثمن.
هكذا ينتصر الشعر... لا بالصخب، بل بالإيمان. ولا بالشكوى، بل بالعمل. ولا بالاحتجاج وحده، بل بأن يواصل الحياة، قصيدة بعد أخرى، حتى يصبح الزمن نفسه شاهداً على أنه لا يمكن إقصاء صوت ولِدَ من قلب الناس، وسيظل يعود إليهم، مهما تغيرت المنصات والجوائز.
ولأن شاعر مصر الكبير النبيل حمدي حسين ظل سنوات طويلة يضيء أسماء الآخرين، ويقدم الشعراء إلى الضوء قبل أن يقدِّم نفسه، فقد آن للضوء أن يلتفت إليه. آن لنا أن نحتفى بمن احتفى بالجميع، وأن نرفع اسم من ظل يرفع أسماء الآخرين، فبعض الرجال لا يكتبون القصائد فقط...بل يزرعونها فى ذاكرة الأيام.

مساحة إعلانية