مساحة إعلانية
في زمن تتداخل فيه المصالح وتتشابك فيه العروض، يبقى لبعض المؤسسات مكانة لا تُشترى، وقيمة لا تُقاس بالأموال. وفي القلب من هذه المؤسسات يقف الأزهر الشريف، شامخًا، حاملًا لواء الوسطية والاستقلال، غير قابل للمساومة أو التبعية.
لم يكن ما جرى مجرد لقاء بروتوكولي عابر، بل كان اختبارًا حقيقيًا لمعنى السيادة، ولمدى تمسك المؤسسات العريقة بهويتها. حين طُرح عرض بمليارات الجنيهات لإطلاق قناة تحمل اسم الأزهر، لكنه مشروط بإدارة خارجية، لم يكن القرار صعبًا على من يعرف قيمة الأزهر وتاريخه.
الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، بحكمته المعهودة، أدرك أن القضية لا تتعلق بتمويل أو مشروع إعلامي، بل تمس جوهر الاستقلال، وهو ما لا يمكن التفريط فيه تحت أي ظرف. فجاء الرفض حاسمًا، هادئًا، لكنه واضح كالشمس:
الأزهر ليس للبيع، ولا يخضع لأي وصاية.
هذا الموقف لم يكن فقط دفاعًا عن مؤسسة، بل كان دفاعًا عن فكرة الدولة ذاتها، التي تحمي مؤسساتها وتحفظ لها استقلالها. ولم تتأخر الدولة المصرية في تأكيد هذا المعنى، حين سارعت بإعلان دعمها الكامل لإطلاق قناة الأزهر بإدارة مصرية خالصة، في رسالة لا تقبل التأويل: القرار مصري، والصوت مصري، والهوية مصرية.
إن تسارع الدولة في التحرك لم يكن مجرد رد فعل، بل كان امتدادًا طبيعيًا لموقف وطني متكامل، يعكس إدراكًا حقيقيًا لأهمية الأزهر كقوة ناعمة تمثل مصر أمام العالم، لا كمنصة إعلامية عادية، بل كمرجعية دينية وثقافية لها وزنها وتأثيرها.
الدرس هنا واضح: ليست كل العروض تُقبل، وليست كل الأموال قادرة على شراء المواقف. هناك مؤسسات تُبنى على التاريخ، وتُصان بالمواقف. وما فعله الأزهر، وما دعمته الدولة، يؤكد أن مصر حين تقرر، فإنها تحافظ على نفسها أولًا… وعلى كرامتها دائمًا.