مساحة إعلانية
هل تنجح «السكر والصناعات التكاملية» في تقليص فاتورة الاستيراد؟
في توقيت بالغ الحساسية للاقتصاد المصري، تعود صناعة السكر إلى واجهة المشهد الاقتصادي كأحد الملفات الاستراتيجية التي لا تقبل المعالجات الشكلية. فمع إعلان شركة السكر والصناعات التكاملية استهدافها إنتاج ما بين 650 و675 ألف طن من السكر الأبيض خلال عام 2026، يبرز تساؤل جوهري: هل تمثل هذه الأرقام بداية تحول حقيقي نحو تقليص فجوة الاستيراد، أم أنها مجرد طموحات تصطدم بتحديات التنفيذ؟
الرقم المعلن يحمل دلالات مباشرة على ميزان المدفوعات، خاصة في ظل توقع توريد نحو 6 ملايين طن من محصول القصب إلى مصانع الشركة الثمانية. وإذا ما تحقق هذا المستهدف بكفاءة تشغيلية حقيقية، فإننا نتحدث عن خطوة مهمة لتخفيف الضغط على العملة الأجنبية، وتعزيز قدرة الدولة على إدارة سلعة استراتيجية شديدة الحساسية اجتماعيًا واقتصاديًا.
لكن جوهر الأزمة لا يكمن في حجم الإنتاج المستهدف فقط، بل في منظومة التوريد نفسها، التي عانت طويلًا من اختناقات وسوء تنسيق. ويظهر ذلك بوضوح في تجربة مصنع سكر أبوقرقاص بمحافظة المنيا، الذي شهد تحولًا لافتًا هذا الموسم. فبحسب تصريحات صلاح فتحي، الرئيس التنفيذي للشركة، بلغت كميات القصب الموردة للمصنع نحو 48 ألف طن منذ بداية الموسم، مع استهداف رفعها إلى 100 ألف طن بنهاية الموسم الحالي، مقارنة بنحو 25 ألف طن فقط في الموسم الماضي.
هذه القفزة الكمية تطرح سؤالًا مشروعًا حول استدامتها، ومدى ارتباطها بإصلاحات هيكلية حقيقية في آليات التسعير وسرعة صرف مستحقات المزارعين، أم أنها نتاج ظروف استثنائية قد لا تتكرر.
زيارة شريف فاروق، وزير التموين والتجارة الداخلية، لمصنع أبوقرقاص جاءت في هذا السياق كرسالة سياسية واقتصادية في آن واحد، تؤكد أن الدولة باتت تنظر إلى مصانع السكر باعتبارها خط دفاع أساسي عن الأمن الغذائي، لا مجرد وحدات إنتاج تقليدية.
الرهان الأهم يظل في الصناعات التكاملية القائمة على مخلفات القصب، والتي تمثل قيمة مضافة غائبة عن الحسابات التقليدية. فتعظيم الاستفادة من هذه المخلفات يعني خفض تكلفة الإنتاج، وزيادة الربحية، وفتح مسارات جديدة للاستثمار الصناعي، بما يتماشى مع توجه الدولة نحو الاقتصاد الدائري.
غير أن تحقيق هذه الطموحات يتطلب إرادة تنفيذية لا تقل قوة عن التصريحات، تشمل تحديث خطوط الإنتاج، واستقرار سياسات التوريد، وتبني إدارة مرنة قادرة على التعامل مع تحديات المناخ والإنتاج الزراعي.
وفي النهاية، يمكن القول إن عام 2026 سيكون عامًا فاصلًا لصناعة السكر في مصر. فإما أن تتحول الأرقام المعلنة إلى واقع إنتاجي يقلص فجوة الاستيراد ويعزز الاكتفاء الذاتي، أو تظل حبيسة البيانات الرسمية. والفيصل، كما هو معتاد، سيكون في التنفيذ لا الوعود.