مساحة إعلانية
رحل فجأة… كأن القصيدة انقطعت في منتصف سطرها، وكأن النيل نفسه صمت لحظة حين غاب صوت كان يعرف كيف ينحاز للدهشة وللبسطاء وللجمال الخفي في أرواح الناس.
رحل اليوم صديقي واخي الشاعر المبدع سيد العديسي، الذي عرفته منذ سنوات طويلة عن طريق صديقي وأخي علي جمال الدين Ali Gamal، اثناء عملنا في محلة الاذاعة والتلفزيون وتوطدت علاقتنا بحكم اننا من ابناء الصعيد فكان الحب مضاعفًا لكونه صعيدي من ابناء العديسات (اسنا-الاقصر) ولانه مبدع حقيقي… وسرعان ما صار حالة خاصة بالنسبة لي لا تشبه إلا نفسها.
لم يكن العديسي شاعرًا عاديًا، بل كان كاراكتر نادر، صادم أحيانًا، صريح إلى حد القسوة، لكنه في جوهره كان نقيًا كقصيدة تُكتب بلا مواربة.
كان يقصف ولا يبالي، يقول كلمته ويمضي، لا يجامل ولا يتلون، وكأن الشعر داخله لم يترك مساحة للخوف أو الحسابات.
وهب نفسه للإبداع، لا يبحث عن الأضواء بقدر ما كان يبحث عن الجواهر المخفية… مبدعو الجنوب المجهولون، أولئك الذين لا يعرفهم أحد، كانوا عنده معروفين، محفوظين، يستحقون الاحتفاء. كان يفتش عنهم كما يفتش شاعر حقيقي عن المعنى، ويمنحهم من قلبه قبل قلمه.
لن أنسى يوم جاء إلى أسوان خصيصًا، لا لفعالية رسمية ولا لدعوة، بل ليبحث عن صوت روائي لم نكن نحن – أبناء المكان – قد انتبهنا له كما ينبغي. جاء ليحتفي برواية “الحكروب” مع الروائي عصام راسم، وكأن مهمته في الحياة أن يسلّط الضوء حيث يجب أن يكون الضوء.
وقع في عشق أسوان… عشقًا حقيقيًا. طلب أن يعيش فيها، أن يكون قريبًا من النيل، كأن بينه وبين الماء حوارًا قديمًا لم يكتمل. بدأنا معًا رحلة البحث عن مكان يليق به، لكنه كان عنيدًا كقصيدة جنوبية: “لا بد أن أرى النيل من شباكي”. لم يكن الشرط سهلًا، لكنه كان يشبهه تمامًا.
جاء مرات عديدة، وسكن، وكتب… وترك في أسوان شيئًا منه، كما تركت فيه شيئًا منها.
كان شاعر الصعيد الذي فهم الحب كما هو: متناقض، قاس أحيانا، حنون في عمقه، صامت لكنه جارف. استطاع أن يقول ما لا يُقال، وأن يمنح العاطفة صوتًا لا يشبه سواه.
ففي قصيدته الشهيرة “كيف حالك جدًا”… تلك العبارة التي تبدو بسيطة لكنها تحمل كل هذا الفيض من الحنين والحب والأسئلة، والتي كتبها ليعبر ببساطة عن كل رجل صعيدي يغرق في الحب ولا يستطيع ان يبوح به، فكان كلما اراد ان يقول لحبيبته : احبك كانت تخرج من فمه .. كيف حالك؟ وقالها العديسي على لسان كل صعيدي يخجل من اظهار مشاعره .. كيف حالك جداً؟!
كيف حالك جدًا يا سيد… الآن؟
كيف حالك وقد تركت كل هذا الفراغ؟
كيف حالك وقد صارت القصائد تبكيك بدل أن تكتبها؟
كنت تسألها في قصائدك، واليوم نسألك نحن… ولا إجابة إلا الصمت.
رحلت، لكنك تركت ما هو أبقى من الحضور: أثرا لا يمحى، وكلمات ستظل تقرأ كأنك لم تغب، وروحا ستبقى تحوم حول كل مبدع جنوبي آمنت به يوما .
وداعا يا صديق الدهشة… يا من كنت “جداً” في كل شيء: في الصدق، في الحب، في الشعر… وفي الغياب.