مساحة إعلانية
حافي القدمين، هكذا كان يحاول عم إبراهيم بتاع العضم أن يزرع بخطواته بذور الأمل في أزقة سرس الليان على ضفاف الرياح المنوفي، وكأن قيظ الصيف يغزو جبينه بالأنين. لم يكن تاجرا عاديا للعظام والخرق، كان يجر عربته المصنوعة من الخشب المزركش، ليجمع فيها ما تبقى من عظام لحم البقر والجاموس لدى الأهالي، وكأنه يلملم ما تبقى من عظام حياته.
جلبابه القديم، يحزم وسطه قطعة من القماش، وكأنه يحبس أنفاسه عن غيظ مكتوم من قسوة الأيام التي دفعت رجلًا سبعينيًا ليواسي نفسه في مهنة شاقة.
بينما يشق طريقه، مغازلًا إحدى النساء كعادته، قال لها بقلب شاعر: "أرى في عينيك حكاية لم تكتمل..." قالت له بخفة ودلال: "أشعر وكأنك فارس من الزمن القديم."
لتقلب عليه مواجع الفراق لأم ولده.
قطع حديث الصمت والشجون أنثى أخرى، قالت له: "أرى فيك صورة أبي، ذلك الكهل الذي رحل عن ربيع حياتي قبل أن أكمل نصف ديني..." قال لها: "كم من صفاء القلوب يصنع هدوء موج البحر حين تتلاطم الأمواج."
هب عليه رجل ليعنفه على شقاوة قلبه العجوز، فرد كأنه اختصر الحياة كلها: "الغزل لغة أخرى للمواساة"
فجأة، التف حوله الأطفال، منشدين: "عم إبراهيم بتاع العضم وصل يا ولاد!" فأغدق عليهم الحلوى والبلالين كعادته.
لتتراءى له أم الولد، فذابت ملامحه شوقًا وهو يقبّل يدها.
ظهر طفله محمد، الذي بلغ اثنتي عشرة عامًا، قطع كعادته عدة كيلومترات سيرًا على الأقدام، حاملًا على ظهره شنطة من القماش، وكأنه جمع فيها شوقه وحنينه إلى أم فقدها رضيعًا.يلتف حوله الأطفال، وكأنهم إخوة له. ذرفت مقلتاه دموع الفرحة، وتمتم: "كم أنا مشتاق إليك، يا أماه."
بلمسة حنان، تداعب بأصابعها شعر رأس الصغير، تقبل وجنتيه، وكأنها توشوش الأمل.
كان حديث الصمت والقلوب بين الطفل والأرملة رسائل حب دافئة غزت قلب عم إبراهيم، فطلب يدها للزواج، وغادروا بلدة الشقاء لتبدأ رحلة حياتهم الجديدة.
كان خائفا من أن يواجه طفله نفس مصيره وسط ضباب الليل الذي لا ينقشع.
"ومرت السنون… ولا تزال الحكايات كصوت من الماضي، بين بستان الحب ووجه الأبوة." لكن الحقيقة تبقى صندوقًا أسود... كطريق لا ينتهي , بدأه حافياً.