مساحة إعلانية
اعتدتُ أن أحضر إلى هذا المكان منذ قدمتُ الى هذه المدينة الجميلة، قبل عشر سنوات، عندما كنت طفلة مع والديِّ.
عشقتها كثيرا، فقد كنت أحلم بالعيش في مدينة ساحلية، فعلاقتي بالأماكن معقدة جدا، أتأثر بها بشكل كبير، وتعد بمثابة جزءا من كياني، والآن كعادتي، أقضي هنا أجازتي السنوية كل عام دون ملل.
استغرقتُ فى متابعة قرص الشمس الدامي وهو يغوص فى أحضان البحر، حتى وجدته أمامي يحجب عني مشهدي المُحبب، ويمد يده إليَّ معرفا لي بنفسه.
نظرتُ إليه بدهشة وحملتُ كتابي وغادرتُ المكان دون رد , لا أنكر أنه يشبه فارس أحلامي كثيرا، بكل صفاته وملامحه الظاهرة.
و في اليوم التالي كان اللقاء، عندما غادرتُ الشاطئ فى نفس موعدي بعد الغروب، لأجد شابًّين يعترضان طريق عودتي، شعرتُ بالخوف، فالمكان تقريبا يخلو من المارة، فى هذا الوقت من العام،
إلى أن وجدته أمامي يمسك يدي بقوة وينظر إليهم بغضب فلاذوا سريعا بالفرار.
سار بي قليلا وسط دهشتي من ظهوره المفاجئ، وتصرفه قبل أن انتبه أن يدي ماتزال في يده، فسحبتها بسرعة وأنا أهتف "ماذا تفعل و كيف تجرؤ على الإمساك بيدي بتلك الطريقة؟!
اعتذر مبررا انها الطريقة الوحيدة لإنقاذى منهم، دون الدخول في اشتباك معهم حرصا عليّ.
كنت أعلم أنه قادر على تلقينهم درسا قاسيا، فجسده الرياضى الممشوق، وعضلاته البارزة، تنبئ عن ذلك.
شكرته بكلمات بسيطة، وهممت بالانصراف، فطلب مني برجاء أن يوصلني للمنزل خشية من التعرض لمضايقات أخرى، وجدتني أهز رأسي موافقه فسار بجانبي دون كلام حتى أسفل منزلي، شكرته وصعدت لأعلي .
تكررت اللقاءات كل يوم خلال شهر إجازتي، وأصبح وجودي معه أهم جزء في يومي، وجاء يوم عودتي إلى مدينتي،
تقابلنا في الصباح على غير عادتنا، فاجأني ونظر إلي متبسما، وهو يخرج علبة مخملية من جيبه بها خاتم خطبة، ويطلب منى مشاركته حياته .
هاله أن يرى التردد على ملامحي فقد كنت أرسم خطا أخر لحياتي، ومستقبلي العملي، وكنت أستعد للسفر خارج البلاد للحصول على درجة الدكتوراه في الفيزياء من جامعة هارفرد بالولايات المتحدة الامريكية، ولا يمكنني أن أضحي بكل ذلك، من أجل تلك المشاعر التي تجنبتها طوال حياتي، واعتبرتها مضيعة لوقتي وطموحي.
غادرني عندما لاحظ شرودي وغياب الفرحة من ملامحي، وعدتُ في اليوم التالي لمقر عملي الذي حاولت الانخراط فيه من جديد، ولكن لم أستطع فقد كان يومي ناقصا وفارغا بدونه، لكن لا بأس في ذلك، فمن المؤكد أنني سأتجاوز كل ذلك عندما تطأ قدمي تلك الجامعة العريقة، التي حلمتُ بها كثيرا، وتقرر يوم سفري بعد يومين حاول التواصل معي دون جدوى، فلقد أغلقتُ بابي أمامه، وكان في انتظاري في المطار ينظر إلي بلهفة ورجاء، إلى أن دخلت، وأنا أحاول التماسك أمامه.
أنهيتُ كل الاجراءات بسرعة، وصعدتُ إلى الطائرة التي شارفت على الانطلاق، شعرتُ بانقباضة في قلبي الذي لم يحتمل فراقه، ورأيت حياتي بدونه فارغة، لا طعم ولا لون لها. هبطتّ مسرعة من الطائرة قبل أن يغلَق بابها بثواني، وعدت مسرعة إلى خارج المطار، لأجده مازال في مكانه ينظر إليّ حيث ذهبتُ , فركَ عينيه غير مصدق عندما رآني أقْبلُ عليه، انطلقتُ إليه مسرعة، لأحتضنه بلهفة، وتتعانق أيدينا وأرواحنا، وننطلق معا لنتنفس الحياة.