مساحة إعلانية
تجوب المدينة كل يوم حافية، من دارها إلى النهر لا تسترجي أربعاء يدق عالمها ،فالأيام سواء ، تصب روحها في النهر صباً، محاولة درء الوجع الساكن فى الأحشاء.
عانى مرض عضال ،وكانت " رحمة " زوجة عاشقة ،عانت كما عانى نداً بند، كانت اللمسة الحانية ،والبسمة الشافية ،واليد التي تلقفته من ظلمات الألم ، طالت رقدة الهمام حتى تحلل جسده ،لم تقنت من رحمة الله ،ولم يقنت من" رحمة" التى دثرته بجسدها في طوبة الأيام ،واطعمته قوتها فى سنوات عجاف ،لكن أمر الله نافذ ، نفذ قوته على أرض طالما دكها دكاً بخطوات رزينة ،وقلب لا يمل العطاء بغير حساب ، قائد القبيلة شاباً والشيخ الهمام كهلا ،ولكن المرض ( قليل قيمة) طال الرقاد وملت القبيلة من السؤال عليه ،ولم يعد له من العالم حبيب ولا قريب إلاها ، ( أزفت الآزفة ،) وحان وقت الوداع ، قيل انه لم ير لجنازته مثيل ،وقيل ان كل المشيعين كانوا على معرفة إلى أي الجهتين هو ذاهب بيقين ،واراه التراب مثل كل مخلوق على الأرض ،ليس الأول ولا الأخير ، هى كأس وكل الناس شاربها ،إبيضت عيناها بغير قميص يلقى عليها فترتد بصيرة ،وجابت الأرض "مجدولية "جديدة ،تتحسس رحمة الله فى كل مكان ،تستيقظ صباحا بلا قوت يقويها ،وتنام ليلا بلا كف يحتويها ،تذهب إلى حيث قبره مع أول شعاع شمس ،تحدثه ولا تسمع منه ،تؤانسه ولا تشعر به ،حتى يقبل الليل فارا من كهوفه ،زاحفاً إليها بقسوته ،تعود أدراجها إلى منزلها بخطوات ثقيلة ،يحن عليها كل من يراها بكسرة خبز أو رشفة ماء ،دون ان يدروا أن للقلب رب يأويه ،مرت سنوات على فقده ،لم تترك فيها يوما واحدا لم تغطس فى النهر ،غاسلة أوجاعها ،لعلها تصدف أربعاء "كأيوب "،أو تتلقفها يد السيارة القادمون من زرقة السماء مرددة في كل لحظة ( أيها الجرح المفتوح منذ الأزل ،لا شريك لفقدك ) .
انشقت السماء بعد صبر طال ،ظهرت منه على هيئة نور يغلفه عباءة زرقاء طويلة حتى الأرض ،يتوسطها حزام يلم بداخله أوجاع الحياة ،لم تنبس ببنت كلمة ،طبطبت على قلبها بكفها اليمنى ،وفتحت اليسرى على قطعة من الخميرة لم تتعد العشر جرامات ،ثم نقلت اليمنى من فوق القلب ،لتربت بها على رأسها ،ورحلت من حيث أتت ،تابعتها بنظرات ثقيلة حتى تلاشت في السماء ،انطفأ ء باختفائها ذلك النور المصاحب لتواجدها ،وتوارت الشمس التي احاطت برأسها النوراني ،ايقظتها رعشة هزت فرشتها المسجاة على أرض ليست بالحنون ،لتجد بجوارها قطعة الخميرة ذاتها التي حلمت بها ،نفس الرائحة ،نفس الوزن ،ملفوفة في ورقة قديمة صفراء ،سارعت بطرق باب جارتها ،استعارت قليل من الطحين دون ان تحكى أي شيء ،قسمت الطحين إلى ثلاثة ،ربت الخميرة بثلث ،وعجنت عليها بعد خمورها ثلثان ،خبزت بضع أرغفة ،اقتاتت بهم عدة أيام ابتداء من الجمعة ،ومع أول كسرة منهم دبت في روحها الحياة ، وجاءها السبت فارتد لها بصرها ،وفى الأحد قامت تلملم ما تبقى لها على الأرض من خطوات ،والاثنين والثلاثاء حتى جاءها الأربعاء ،تذكرت النهر لم تذهب إليه ولا مرة هذا الأسبوع ،ارتدت أجمل ماعندها ،تزينت على استحياء وبوقار تام ،ألقت جسدها بنفس مطمئنة مؤمنة بقضاء الله تسأله الشفاء، اغتسلت ،رأتهم رؤيا العين ،يتسللون من السماء الصافية تجاهها مبتسمون.