مساحة إعلانية
ذلك اليوم لم يكن الإجهاد وحدَهُ الذي اعتراني، وأوهى قوايَ، وشتت أفكاري .
بل صوتُ صاحب المنزل المدمَّر .
صوتُه الملحاح رأفةً وحناناً:
ــ رفقاً رفقاً، احفروا هنا، أزيحوا الحجارة عن هناك.
ــ لا تقلقْ نحن نعرف عملنا جيداً .
لم نكن نمتلك سوى معاولَ بسيطة، وأدواتِ حفرٍ بدائية بسبب قلة الإمكانات في عملنا الطوعي
كنتُ أحاول تجاهلَ صوته وتعليماته التي لا تفيد بشيء غير أنها تُشتّت تركيزي.. أنا ومَنْ يعمل معي في البحث عن ناجين تحت هذا الردم .
نظرتُ إليه رأيتُ رجلاً أثخنتْ جسدَهُ الجراح وملامحَ يكاد الترابُ يمحو تقاسيمها.
نظراتُه تجوبُ الردمَ، تكاد عيناهُ تخرجان من محجريهما لتشاركا في إزاحةِ ذاك التراب.. وبين وقت وآخر كان يصرخ بصوت جهوري :
ــ حدا سامع ، حدا عايش ؟؟ كوني بخير يا ليلى أرجوك .
كلتا ذراعيه تنزفان، لكنه لم يكن يعبأ بكل ذاك الألم، همُّه الوحيد هو إسداءُ التوجيهات التي كنا في غنىً عنها .
هبَّت الرياح بقوة، حملتْ صوتَه ليتلاطم بين الزوايا التي تحمل شحوبَ الموت، وحدَهُ صوته مَنْ يُشعرك بأن في هذا المكان أحياء .
واصلنا البحث ..
الضوء الذي كنا نستعين به شحيح لا يستطيع الوقوفَ بوجه ظلام المساء إلا بقامة هزيلة مرتجفة.
كنتُ أسمع الرجل برغم طرق المعاول وهو يهمس أرجوكم اعثروا على وجهها حتى وإن كان مهشماً، فلطالما رأيتُ في وجنتيها ما يشبه الندى في مواسم البرتقال، أنتم لا تدرون ماذا تعني لي تلك الملامح وإن كان الموت قد سلبها زينةَ الحياة ونضارتَها.
ثم يسترسل مُحدّثاً الفراغ المزدحم بوحشة الموت: سيقولون ياحبيبتي جُنَّ الرجل .
ثم بكت ابتسامة على شفتيه، وأردف:
ــ أجزمُ أن لاشيءَ يعيش حالة الثبوت غير هذا الشعور الذي يهدهد عينيك، وجمال ذكراك في مهد قلبي .
كوني بخير فمن لبيادر البرتقال سوى خطاك ؟!
تساءلتُ في نفسي مندهشاً:
ـ أهذا غزل أيها الرجل !!! نعم لقد كان غزلاً جريحاً وجيعاً.. نسي الليل ربابته المبحوحة على شفتيه ، لم أكن أعي حقيقة ما يعنيه بتلك الكلمات المنتحبة لكنني كنت أحس بوجعه يصل قلبي .
واصلنا البحث .. حتى عثرنا على كفين لامرأة، لكنهما بسبع أصابع فقط.
شهقَ الرجل وهو يتأملهما، كاد يغشى عليه، لمس إحدى الأصابع قائلاً بأسى :
ـ إنها أصابعها مازال الخاتم في أصبعك، كأنني ألبستُك إياه للتو .. تلك الأصابع التي لطالما داعبت بحنانها شغافَ وجداني ، وكم كانت طرية وهي تأسو جراحات أمانينا الطعينة ، مازلت أجد دفئها في قلبي المفجوع.
كان حريصاً أن يلملم الأشلاء كاملة غيرَ منقوصة.
لكننا لم نجد سوى تلك الأصابع السبع ، الدمار كبير .
انقضى الليل، ومازلنا نبحث ..
وعلى استحياء أطل وجه شاحب للفجر، وكأنه يهاب رؤيةَ تلك البقايا المَزِقة.. مضى الوقت سريعاً، انقضى النهار ..
وحلَّ مساءٌ آخر، كأنه متكَأٌ للشوك والجراح يؤزُّ هجعةَ الأشواق، يحييها اشتعالاً، ولاحَ بارقٌ من دموع في عيني الرجل ، بدأ اليأس يدل في قلوبنا ، لا أملَ في العثور على أحياء.
كان يتأمل مابقي من محبوبته لتصدح الذكرى موالاً نزفَ في مقل الشفق، حمل الأصابع السبع برفق وتحنن ، كنتُ أرمقه بنظراتي الحزينة وهو يمضي، وأتساءل: أين وجهتُه بكل تلك الجراح النازفة في جسده وفي قلبه .. تتبعته بنظراتي وهو يمضي بخطوات مترنحة وكأني بصوته قد حملته الرياح إلى كل الآفاق البعيدة :
ــ حدا سامع ، حدا عايش .
في ذاك المساء لستُ وحدي مَن شاهد في الطريق الذي سلكه الرجل طيفين غريبين متعانقين عند الغروب تحت أشجار اللوز التي هجرتها أزهارُها .