مساحة إعلانية
تكاد صوفي تختنق، فهي تطرد الحزن من الشبَّاك، فيعود إليها من الباب!
هي شابةٌ في الخامسة والعشرين، يتوقع الحب أن يراها تركض في براريه كالغزلان، ولكنْ أيُّ ركض، وأحد كمَّي بنطالها لا ساقَ فيه!
أخواتُها، وإخوتُها، وأمُّها وأبوها أخذتهم رقصةُ الموت في الحرب التي اندلعت في بلدها، بينما نجت هي نصفَ نجاة، فوصلتْ لأوربا بجسمٍ فَقَـدَ أحدَ أعضائه في القصف.
في شقَّتها الصغيرة يهاجمها الضجر، وتنطُّ من حولها ذكرياتٌ قديمة حلوة كالأرانب، وأخرى موحشة، فتتشكَّل على أجفانها حبَّاتُ دموع تكاد لا تفارقها!
وذاتَ ضجر خطرت لها فكرةٌ طريفة: لماذا لا تكتب روايةً عن معاناتها، روايةً خاصة مختلفة، لن تكتبها على الورق، لكنها ستكتبها على المناديل.. مناديلِ دموعها! الله.. راقت لها الفكرة، وبدأتْ منذ اليوم الثاني بتنفيذها، فكانت كلًّما بكت مسحت دموعها بمنديل، وكتبتْ فوقه ملخصاً عن سبب بكائها. بعد سنتين تجمَّعَ لديها أكثر من خمسمئة منديل، أخذتْ تفتح المناديل، وتقرأ ما فيها:
منديل (١) في 4/7/2020 بكيتُ، لأن طائراً مرَّ أمام النافذة، خَفَقاتُ جناحيه ذكَّرَتْني بخفقات ذراعيَّ عندما كنتُ طفلة أندفع بهما نحو أمي، وتذكَّرتُ ساقي التي كانت موجودة.
منديل (٢) في 4/7/2020 أيضاً، بكيتُ مرةً ثانية في هذا اليوم، إنما في الليل، وأنا أشاهد لمبة الكهرباء الوحيدة في أول الشارع، قلتُ لنفسي: إنها تشبهني، وتذكَّرتُ أغنية عبد الحليم حافظ: ضي القناديلْ/ والشارع الطويلْ.
منديل (٣) في 5/7/2020 بكيتُ، لأن قريباً لي من بلدنا طلب مني مساعدة مالية، فظروفه القاسية دفعته ليأكل من الزبالة، لم أستطع أن أقدِّمَ له شيئاً، فقد ساعدتُ سواه بكل ما لديَّ قبل أيام.
منديل (١٠) في 9/7/2020 بكيتُ، لأنني حلمتُ بزوج نبيل عاشق يعود إلى البيت، وأنا أنتظره خلف الباب كزنبقةٍ خصصتْ كلَّ عطرها وجمالها من أجله. إنني امرأة شرقية أكره العبث، وأريد مع الحب تكوينَ أسرة، ولكنَّ حلمي كبذرة في أرض مالحة!
منديل (١٠٠) بكيتُ لسبب مجهول!
منديل (١٦٢) بكيتُ لسبب مجهول!
منديل (٢١٠) في 14/5/2021 بكيتُ وأنا أقرأ منشوراً عن الحياة في بلدنا كيف كان في أواسط القرن الماضي.. تسامح، تعددية، صحافة حرة، فَرَحٌ يسكن في العيون، بلد يثب إلى الأمام.
منديل (٣٠٩) في 11/8/2021 بكيتُ، لأنني رأيتُ من نافذتي شاباً وشابة أوربيين في عمر الفل، يسيران معاً، ومَلاكُ الحب يناديهما، لكنَّ كلاً منهما مشغولٌ عن الآخر بتدليل كلبه!
منديل(٤٥٠) في 24/2/2022 بكيتُ لأن الحرب في أوكرانيا بدأت.
منديل (٤٨١) في 29/3/2022 بكيتُ، لأنهم يحكون عن عالَم متعدد الأقطاب بدأ يُولَد، فسألتُ نفسي: هل سيتحرر قمر الدنيا من عذابه أم سيزيد عدد المقتتلين على خيراته؟
منديل رقم... منديل رقم...
قامت صوفي بعد قراءة المناديل بترتيب بعضها فوق بعض بعناية كبيرة، ثم صنعتْ لها غلافاً رسمتْ فوقه عينين تذرفان، لكنها لاحظت فجاةً أنَّ عدد المناديل التي فوقها عبارة: (بكيتُ لسبب مجهول) كثيرة جداً قالت لنفسها: ماذا سيقول القارئ عنها؟ جاءها جوابٌ من أقاصي رأسها: سأترك له تأويلَ السبب، وقد ينجح في معرفته أكثرَ مني. أمَّا عنوان الرواية فبعد تفكير وجدتْ قلمَها يكتب: (سيرةُ عينين).
تأمَّلتْ روايتَها الغريبة، وتذكَّرتْ ما قرأَتْهُ عن المعارض العجيبة التي كان يقيمها الرسام العالمي: سلفادور دالي، كان يمارس فيها جنوناً عبقرياً، وروايتُها هذه نذرَتْها للجنون.. ربما يتاح للعصافير.. للملائكة.. للناس أن يطَّلعوا عليها، وربما ستكون هي قارئَها الوحيد يلوك حرائقَهُ من جديد.