مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

محتوى النص الأدبي في دائرة النقد الضمني والتضامني ..بقلم عبد الحسين الشيخ علي

2026-05-28 11:48 AM  - 
محتوى النص الأدبي في دائرة النقد الضمني والتضامني ..بقلم  عبد الحسين الشيخ علي
عبد الحسين الشيخ على - العراق

لا يخفى على الناقد أن هناك الكثير من المدارس النقدية التي طُرحت لدراسة القصائد بمختلف أشكالها، والرواية، والقصة القصيرة، وجميع الفنون الأدبية كالمسرح والسينما والتلفزيون. وكان هدف هذه المدارس يتلخص في البحث عن أفضل طريقة لقراءة تلك النصوص. غير أنني في ورقتي النقدية هذه، سأقدم طرحًا جديدًا في مجال النقد -سائلًا الله تعالى التوفيق في ذلك- ويتمثل هذا الطرح في البحث عن أساس جمالية الصورة الشعرية كمظهر خارجي، والسبب الأساسي الذي بُني عليه النص الأدبي؛ بمعنى أن جمالية الصورة الشعرية أو السردية تحمل في جوهرها تصورًا مضادًا للواقع، حتى وإن كان النص مغرقًا في الفانتازيا.

مفهوم النص والنقد بين اللغة والاصطلاح

بمعنى أكثر دقة، إن النص هو نتاج لواقع مضاد، وبالضرورة يكون هذا الواقع سيئًا ومُحبِطًا، فيحاول الكاتب من خلاله أن يقدم لنا أجمل الصور الشعرية والنصوص الأدبية الأخرى. وفي هذا السياق، يلتقي هذا الطرح مع مقولة الفيلسوف الألماني *ثيودور أدورنو: *«الكتابة هي مقاومة القبح بالجمال، والنص الإبداعي هو صرخة احتجاج ضد واقع مشوه».

وإذا كان النقد الأدبي يُعرَّف لغويًا بأنه "تمييز الدراهم وإخراج الزائف منها"، ويأتي بمعنى فحص الشيء وكشف عيوبه ، واصطلاحًا بأنه "تمحيص العمل الأدبي بشكل متكامل حال الانتهاء من كتابته"؛ إذ يتم تقدير النص الأدبي تقديرًا صحيحًا يكشف مواطن الجودة والرداءة فيه، ويبيّن درجته وقيمته، ومن ثم الحكم عليه بمعايير معينة وتصنيفه مع ما يشابهه منزلة.

فإنني في ورقتي هذه، أرى أن الصورة الجمالية في النص الشعري أو الأدبي بشكل عام، هي عاكس لعيوب المجتمع التي يرصدها الكاتب من خلال ملاحظته الدقيقة. وكشفُ تلك العيوب بشكل جمالي يُعد عاكسًا ثقافيًا، ولذلك لا بد للكاتب من أن يكون متمكنًا من اختيار أجزل العبارات وأجملها، وتلك التي تملك تأثيرًا سمعيًا وبصريًا ينفذ إلى الوجدان.

بناءً على ذلك، يُعتبر كاتب النص الأدبي بمثابة *"الناقد الأول"* المختزل للظاهرة؛ فالأديب لا يكتب من فراغ، وعملية اختياره للفظة وتحويله للمادة الخام السيئة إلى صورة فنية هي في حد ذاتها عملية نقدية واعية وعزل للزائف من القول. أما *"الناقد الثاني"* فهو الذي يحلل النص بشكل تفصيلي ضمن المدارس التحليلية بعيدًا عن الوقوف عند العيوب اللغوية فحسب.

لذا، فإنني لا أرى النقد مجرد إبراز للعيوب اللغوية كما يعتمده التعريف المتداول ، بل هو إظهار للصور الجمالية من ناحية، وإبراز وتحليل للعوامل البيئية والثقافية والتاريخية "المعيبة" بما تحويه من تراجيديا أو رومانسية درامية من ناحية أخرى. إن النقد يبرز السبب الذي أدى إلى كتابة النص، والذي غالبًا ما يكون الجانب القبيح المتفشي في الواقع، حيث تقوم الباصرة الحسية والشعورية لدى الكاتب بتوثيق هذا القبح، وإخراجه في قالب نص جميل ومثير، أو سرد قصصي وروائي ممتع. فالأديب ينقد المجتمع بـ "الفن"، والناقد يفكك هذا الفن بـ "العلم والتحليل".

النقد بين داخل النص وخارجه: تطبيق على "أفق التوقع"

إن النقد عندي يتكامل في داخل النص وخارجه؛ فـالنص المثير والجميل له مصدره الواقعي الذي أدى إلى كتابته، سواء كان هذا المصدر جميلًا أو قبيحًا. وهنا تبرز أهمية *"النقد التضامني"*؛ حيث لا يكتفي الناقد بمحاكمة النص جماليًا داخل أسواره المغلقة، بل يتضامن مع الأديب في تعرية وفحص الجذور الواقعية والبيئية للبناء الفني. وعلى الناقد تحليل هذين الجانبين وإبرازهما للمتلقي بالاستعانة بالمدارس التحليلية.

ومثال ذلك ما قمت به عند قراءة أحد النصوص وفقًا لـ "نظرية التلقي" (Reception Theory) لـ "هانز روبرت ياوس"، وهي النظرية التي تعيد للناقد والجمهور مكانتهما في إعادة إنتاج النص وصياغة معناه مرة أخرى بحسب "أفق التوقع" (Horizon of Expectation) لديه، دون الجزم بأن هذا التحليل هو الحقيقة المطلقة للنص.

وقد طبقت ذلك على قصيدة الشاعر جواد الشلال: (الأشجار تبلل ثوبك بالحب كل صباح). فبعد قراءتها وتحليلها بحسب أفق التوقع -وكان عنوان الأفق هنا هو (الأبعاد النفسية والمجتمعية)- وجدت أن مصدر إلهام الشاعر لكتابة قصيدته يعود إلى عدة عوامل معيبة في المجتمع كان لها تأثير نفسي بالغ عليه، فأخرج لنا نصه الجمالي وصورته الشعرية. وتتلخص هذه العوامل المجتمعية وفقًا للتوقع فيما يلي:

التغير الذهني العاطفي:** المتمثل في تحول العلاقات والعواطف بين الرجل والمرأة عند النخبة من الكتاب من واقع ملموس إلى "بطلات ورقية"، وهو ما أدى مجتمعيًا إلى ضعف (الغزل) بينهما، والاعتماد على التخيل بديلًا عن الممارسة الفعلية كطبيعة كان لها وقع مجتمعي إيجابي في الماضي.

خيبة الكاتب:* من هذه الظاهرة الجديدة لدى كتاب البطلات الورقية، حتى عبّر عن واقعه قائلًا: *(ذبلت بهدوء كل مفردات الغزل ونبت الصبار في راحة يدي).

تبدل العلاقة بين الفلاح والمطر:** حيث تحولت إلى علاقة نفور من الفلاح، ووُصِفت حالة التبدل تلك بـ "التمرد".

ظاهرة المرأة المنكسرة عاطفيًا:** وتساؤل الشاعر حول إمكانية تعميمها كظاهرة مجتمعية تفشت بين نساء هذا الزمن، مسببةً تغيرًا في طبيعتها الوجدانية تجاه الرجل.

وتعتبر هذه النقاط بمثابة الجانب الآخر للقصيدة؛ أي أنها المصدر المعيب الذي أدى إلى ولادة نص جمالي، وهو تمامًا ما أقصده بـ (النقد من داخل النص بتأثير الخارج) الذي يشكل مادة الشاعر، فضلًا عن شخصيته الشاعرية وأسلوبه في إبرازها. إن تلقي الجمهور الواعي لهذه الصور يساهم بشكل مباشر في كشف "الزيف" وعيوب المجتمع، وبذلك يتحقق التعريف اللغوي الأصيل للنقد.

 الأدب البنائي ومعالجة الظواهر

من خلال ما سبق، يمكننا استخراج مصطلح *"الأدب البنائي"، وهو الأدب الذي يعتمد أساسًا على الشاعر أو الروائي باعتباره ملاحظًا دقيقًا وعميقًا لما يجري حوله. ويلتقي هذا المفهوم في الفلسفة النقدية مع أطروحات "الالتزام الأدبي" عند **جان بول سارتر* الذي يقول: «الكاتب الملتزم يعرف أن الكلمة فعل، وأنه بحديثه عن الواقع يغيره».

ومن ثم، يتحول نصه -كونه ناقدًا أوليًا- إلى الناقد الثاني التفصيلي لاستخراج الظواهر المعيبة ووضعها في نقاط محددة يشير إليها بدقة، لا سيما في المجتمع. وبما أن الأديب والناقد يكملان بعضهما ويُعدان جزءًا من البيئة والعصر، فإن "الأدب البنائي" لا يعني الهروب إلى التفاؤل الساذج، بل هو عملية "إعادة تدوير جمالي للقبح الواقعي"؛ حيث يستخرج الأديب من ركام الإحباط طاقة دافعة للبناء. وبناءً عليه، تقع المسؤولية على عاتق الباحثين الاجتماعيين لإيجاد الحلول لتلك الظواهر، من خلال وضعها قيد البحث والدراسة، ورسم الخطط العملية لمعالجتها وحلحلتها.

ومن أمثلة الأدب البنائي: الترويج لكتابة النصوص المتفائلة وقصائد الأطفال التي يفتقدها مجتمعنا اليوم، والابتعاد عن "الأدب الإبكائي" (الذي يماثل مصطلح التراجيديا اصطلاحًا). فقد صار هذا الأدب الإبكائي مصدرًا للتعاسة والحزن، وكأنه جين وراثي أو تقليد هادم لروح العمل والبناء؛ إذ إن الحزن قامع لحركة الجسد وفعاليته.

لذلك، فإن وظيفة الأدب البنائي هي إفشاء التفاؤل والابتسامة لتحل محل الدمعة، لننطلق نحو البناء في شتى المجالات بعد معالجة الظواهر المعيبة المستخرجة من النص وفق التراتبية الآتية:

"الإبكائية" بديلًا عن "التراجيديا" (تأصيل المفهوم)

جاء في معجم المعاني الجامع أن *الإبكاء* هو مصدر الفعل (أَبْكَى)؛ ومثال ذلك: "لم يكن إبكاؤه يفيد شيئًا" أي دفعه للبكاء وتهييج حزنه. فالإبكائية إذن هي استثارة الآخرين -سواء كانوا قراءً أو مستمعين أو مشاهدين- للبكاء والحزن.

ومن الممكن بنيوياً ولغوياً إحلالها بديلًا لكلمة (التراجيديا) يونانية الأصل والتي تعني المأساة؛ وهي شكل من العمل الفني الدرامي يهدف إلى تصوير مأساة قد تكون مبنية على قصة تاريخية. وأصل الكلمة في اليونانية الكلاسيكية هو  (τραγῳδία ) وتعني حرفيًا "أغنية الماعز"، نسبة إلى الطقوس المسرحية والدينية التي كان يغني فيها الكورس بالتزامن مع التضحية بالماعز في اليونان القديمة.

والتراجيديا عمومًا في المفهوم الإغريقي الغربي تقوم على فكرة "المأساة الحتمية" وصراع الإنسان مع الأقدار الحتمية، وهي تأتي لغرض التهييج والاستثارة النفسية. أما في واقعنا الثقافي، فإن ما يُنتج غالباً هو "استدرار مجاني للدموع" واستسلام مطلق للحزن، وهو ما ينطبق عليه وصف الإبكائية المشلّة للحركة. بالتالي، فإن نقدنا لـ "الإبكائية" يُعد هجومًا معرفيًا على أدب المظلومية والندب، ودعوة صريحة إلى أدب المواجهة والفعل الواعي لروح البناء والعمل.

إن لغتنا العربية ليست قاصرة عن إيجاد مصطلحات درامية خاصة بها، وهي زاخرة بالمفاهيم والمعاني التي تعزز هويتنا العربية البحتة وتغنينا عن تقليد الغرب حتى في الاصطلاحات الأكثر تعقيدًا. فاللغة العربية مبهرة وغنية إلى حد لا متناهٍ من الألفاظ، لا سيما وأنها لغة القرآن الكريم واللغة السماوية التي حوت من الألفاظ ما هو أبلغ تعبيرًا من غيرها؛ لعامل المعرفة الإلهية المحيطة بانفعالات الفرد، وطبيعته الفردية والجمعية، وتقلباته القلبية، وآلياته البيولوجية، وإحاطتها بالإنسان من جهاته كافة، داخليًا وخارجيًا.

مساحة إعلانية