مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

مسابقة الشرفاء الحمادي في إندونيسيا.. من حفظ القرآن إلى صناعة جيل يقرأ ويفكر

2026-09-01 04:18 PM  - 
مسابقة الشرفاء الحمادي في إندونيسيا.. من حفظ القرآن إلى صناعة جيل يقرأ ويفكر
علي محمد الشرفاء الحمادي
إعلان بنك saib

بقلم علاء عبدالله

تتجاوز مسابقة "الشرفاء الحمادي" للدراسات القرآنية في إندونيسيا فكرة المسابقات التقليدية التي تقتصر على حفظ القرآن الكريم واختبار المتسابقين في أحكام التلاوة والتجويد، لتقدم نموذجًا مختلفًا يربط بين الحفظ والتدبر والبحث العلمي، ويفتح أمام طلاب المعاهد والجامعات الإسلامية مساحة للتفكير والقراءة والتحليل وربط الدراسات القرآنية بقضايا الواقع.

وتكشف تفاصيل المسابقة، التي تنظم بالتعاون بين مؤسسة رسالة السلام العالمية وجامعة مولانا مالك إبراهيم الإسلامية الحكومية في مالانج، عن حجم الاهتمام الذي حظيت به منذ انطلاق فعالياتها في الأول من أغسطس 2026 بعدما تجاوز عدد المتقدمين في المرحلة التمهيدية ألف متسابق، قبل أن تستقر المنافسة في فرع حفظ وتدبر القرآن الكريم عند 129 متسابقًا ومتسابقة في التصفيات النهائية، إلى جانب 29 متنافسًا في فرعي البحوث والدراسات القرآنية.

واللافت أن الأرقام هنا لا تعكس فقط حجم المشاركة، وإنما تكشف عن اتساع دائرة الاهتمام بالدراسات القرآنية داخل الأوساط التعليمية في إندونيسيا، خاصة مع امتداد المشاركة إلى مناطق في جزيرتي جاوة وبالي، وهو ما فرض على لجان التحكيم مسؤولية مضاعفة لضمان تقييم عادل لجميع المشاركين.

ومن النقاط المهمة التي تكشفها تفاصيل التنظيم، اعتماد المسابقة على آلية متعددة المستويات في تقييم المتنافسين في فرع الحفظ والتدبر؛ إذ جرى تشكيل مجلس تحكيم يضم أربعة متخصصين يتولى كل منهم جانبًا محددًا من التقييم بدءًا من اختبار الحفظ، مرورًا بالفصاحة والتدبر، وصولًا إلى أحكام التجويد، وهذه الآلية تعكس محاولة واضحة للفصل بين عناصر التقييم وعدم اختزال مستوى المتسابق في قدرته على استظهار النص القرآني فقط.

كما أن إعلان النتيجة بصورة مباشرة عقب تقييم المتسابق يمثل جانبًا آخر من جوانب التنظيم، لأنه يضع مبدأ الشفافية في صدارة عملية التحكيم، ويمنح المشاركين صورة واضحة عن نتائجهم بدل تركهم في حالة من الانتظار أو الغموض.

لكن الأهم في المسابقة يبدو حاضرًا في فرعي البحث العلمي، حيث ينتقل الطالب من موقع المتلقي إلى موقع الباحث، فالمطلوب لا يقتصر على قراءة مؤلفات المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي، وإنما يتضمن دراسة إحدى مؤلفاته وتحليلها، إلى جانب تناول الدراسات القرآنية من زاوية تتصل بالواقع وقضاياه وتحدياته، وهذه النقلة تحمل دلالة مهمة، لأنها تشجع الطلاب على التعامل مع المعرفة باعتبارها مجالًا للفهم والنقاش وإنتاج الأفكار، وليس مجرد معلومات يتم حفظها.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى المسابقة باعتبارها مشروعًا ثقافيًا وتعليميًا يتجاوز لحظة إعلان الفائزين، فحتى الطلاب الذين لم يصلوا إلى المراحل النهائية استفادوا من تجربة المشاركة والاطلاع والبحث، بينما فتحت المسابقة أمام آخرين فرصة أوسع للتعرف على المؤلفات والدراسات القرآنية ومناقشة أفكارها.

كما أن الإقبال على مؤلفات الشرفاء الحمادي، وفق ما كشفه منظمو المسابقة يعكس جانبًا آخر من تأثير الفعاليات، يتمثل في تحويل الكتب من مادة للعرض إلى موضوع للقراءة والمناقشة والبحث، وهذه النقطة تحديدًا ربما تكون من أهم مخرجات المسابقة، لأن انتشار الكتاب لا يقاس فقط بعدد النسخ المتداولة وإنما بقدرته على الوصول إلى دوائر علمية جديدة وإثارة اهتمام الباحثين والطلاب.

وتأتي الشراكة بين المؤسسة والجامعة لتضيف بعدًا أكاديميًا إلى التجربة، إذ تمثل الجامعات بيئة مناسبة لتحويل الاهتمام بالدراسات القرآنية إلى نشاط بحثي منظم، بينما يمكن للمؤسسات الثقافية والفكرية أن توفر مساحات إضافية للتواصل وتبادل المعرفة.

ومع اقتراب موعد إعلان النتائج النهائية في 20 سبتمبر 2026، تبدو المنافسة في مراحلها الأخيرة، لكن التجربة في مجملها تحمل قيمة تتجاوز أسماء الفائزين والمراكز التي سيحصلون عليها، فالمعيار الأهم لنجاح مثل هذه المبادرات هو قدرتها على خلق اهتمام مستمر بالقراءة والبحث والتدبر، وتحويل المسابقة من مناسبة مؤقتة إلى بداية لمسار علمي وثقافي أطول.

وفي النهاية، تكشف مسابقة "الشرفاء الحمادي" في إندونيسيا عن نموذج يسعى إلى الجمع بين حفظ القرآن وفهمه، وبين الاطلاع والبحث، وبين النص القرآني وقضايا الواقع، وإذا نجحت هذه التجربة في الحفاظ على هذا المسار وتطويره في الدورات المقبلة، فقد تتحول من مجرد مسابقة محددة المواعيد إلى منصة أوسع للحوار العلمي والدراسات القرآنية خاصة بين الأجيال الجديدة من طلاب المعاهد والجامعات الإسلامية.

مساحة إعلانية