مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

ملتقى العريش الثقافي تحت المساءلة.. أين تتجسد عدالة المشاركة لأدباء شمال سيناء؟

2026-10-16 12:46 AM  - 
ملتقى العريش الثقافي تحت المساءلة.. أين تتجسد عدالة المشاركة لأدباء شمال سيناء؟
حسن غريب أحمد - العريش

قراءة في البرنامج المعلن للدورة الثالثة: بين الاحتفاء بهوية سيناء وحق أبنائها في تمثيلها

 كتب: حسن غريب أحمد

تحت عنوان «سيناء.. جغرافيا القداسة وفلسفة الهوية»، تنطلق الدورة الثالثة من ملتقى العريش الثقافي، متزامنةً مع احتفالات انتصارات أكتوبر والاحتفاء بشمال سيناء عاصمةً للثقافة المصرية. وهو عنوان بالغ الدلالة، يضع الملتقى أمام مسؤولية تتجاوز تنظيم جلسات بحثية وأمسيات إبداعية؛ إذ يصبح مطالبًا بأن يجسّد في اختياراته معنى الهوية التي يناقشها، وأن يتيح لأدباء شمال سيناء فرصة عادلة للمشاركة في صياغة خطابها الثقافي.

لكن البرنامج المعلن يفتح سؤالًا مشروعًا لا ينبغي أن تحجبه الكلمات الاحتفالية: هل تتناسب مساحة مشاركة أدباء شمال سيناء مع ما يعلنه الملتقى من احتفاء بتجربتهم وخصوصية بيئتهم؟

يؤكد رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة، في التصريح المنشور، حرص الهيئة على دعم الحراك الثقافي بالمحافظة وإبراز إرثها الحضاري والمعرفي والاجتماعي، فيما يشير مدير عام الثقافة العامة إلى أهمية إتاحة المجال أمام أصوات أبناء سيناء للتعبير عن تجربتهم. وهذه أهداف جديرة بالتقدير، لكنها تظل بحاجة إلى ترجمة عملية يمكن قياسها في خريطة المشاركين، وتنوع الأسماء، وعدالة إتاحة الفرص.

البرنامج المعلن وما يثيره من أسئلة

يتضمن البرنامج أبحاثًا فكرية ونقدية، وشهادات إبداعية، وأمسيات شعرية وقصصية، وجلسات يديرها عدد من الأسماء الثقافية. غير أن قراءة البرنامج لا تقتصر على تعداد الفعاليات؛ بل تستدعي النظر في طبيعة التمثيل، ومدى اتساعه أمام تجارب أدبية متنوعة، ومدى تجدد الأسماء المشاركة من دورة إلى أخرى.

ومن حقي، بوصفي أحد أدباء شمال سيناء، أن أطرح سؤالًا يتعلق بتجربتي الشخصية: لماذا لم تتح لي، حتى الآن، فرصة المشاركة في هذا الملتقى ببحث أو دراسة نقدية أو إدارة جلسة؟ ولماذا يغيب عن البرنامج المعلن عدد من الأسماء الأدبية والنقدية التي لها حضورها وتجربتها في المحافظة، ومن بينها الدكتور سمير محسن؟

أطرح هذه الأسئلة بوصفها مطالب مشروعة بالتوضيح، لا أحكامًا مسبقة على النيات. فغياب اسم عن برنامج واحد لا يثبت وحده تعمد إقصائه، كما أن تكرار بعض الأسماء لا يمثل، في حد ذاته، مخالفة. لكن تكرار المشاركة، إذا اقترن بغياب مستمر لأسماء أخرى دون معايير معلنة أو تفسير واضح، يصبح سببًا كافيًا لطلب المراجعة والمساءلة.

ليست المسألة مقعدًا شخصيًا

لا أطالب بمشاركة مفروضة، ولا أرى أن الأقدمية أو عدد المؤلفات يمنحان أحدًا حقًا تلقائيًا في الظهور كل عام. إنما أطالب بأن تكون الفرصة متاحة وفق معايير معلنة، وأن يُقيَّم الباحث والأديب على أساس جودة العمل وخبرته وصلته بموضوع الملتقى، لا وفق دوائر الاختيار المعتادة أو سهولة استدعاء الأسماء المألوفة.

فالأدباء في شمال سيناء ليسوا كتلة متجانسة، ولا تختصرهم مجموعة محدودة من المشاركين، مهما كانت قيمة تجاربهم. هناك أصوات وتجارب تحتاج إلى أن تُقرأ وتُناقش وتُختبر أمام الجمهور، وهناك باحثون ونقاد يستطيعون الإضافة إلى الحوار حول السرد والشعر والتراث والهوية. ولا يتحقق التنوع بمجرد ذكر أبناء سيناء في البيانات الصحفية، بل بمنحهم فرصًا حقيقية للبحث والإبداع والنقاش.

إن العدالة الثقافية لا تعني إقصاء المشاركين المعروفين، بل منع تحوّل المشاركة إلى دائرة ضيقة، وإتاحة المجال أمام أسماء جديدة وخبرات متنوعة، وفق إجراءات واضحة يستطيع الجميع فهمها ومراجعتها.

أسئلة إلى الجهة المنظمة

من هنا، أتوجه إلى وزارة الثقافة، والهيئة العامة لقصور الثقافة، وإدارة الملتقى، بعدد من الأسئلة التي تستحق إجابات واضحة:

- ما المعايير التي جرى على أساسها اختيار الباحثين والنقاد وأصحاب الشهادات الإبداعية ومديري الجلسات؟

- هل أُتيحت دعوة عامة لتقديم الأبحاث والمقترحات، أم جرى الاختيار من خلال الترشيحات المباشرة؟

- كيف تضمن الإدارة تنوع المشاركة، وعدم اقتصارها على الأسماء المتكررة؟

- هل توجد آلية معلنة تتيح لأدباء شمال سيناء تقديم أعمالهم، ومعرفة أسباب قبولها أو عدم اختيارها؟

- هل يمكن نشر تصور واضح لتوسيع المشاركة في الدورات المقبلة، بحيث تشمل أجيالًا وتجارب واتجاهات أدبية متعددة؟

هذه ليست أسئلة للتشكيك في قيمة الملتقى أو الانتقاص من المشاركين فيه، بل دعوة إلى تطوير آليات العمل الثقافي حتى تتوافق الممارسة مع الأهداف المعلنة.

هوية سيناء لا تُختزل في عنوان

إن الاحتفاء بشمال سيناء عاصمةً للثقافة المصرية مسؤولية ينبغي أن تنعكس على المؤسسات والبرامج وفرص المشاركة، لا أن يظل مناسبةً احتفالية عابرة. فسيناء التي يناقش الملتقى جغرافيتها المقدسة وفلسفة هويتها ليست موضوعًا للبحث فحسب؛ إنها أيضًا فضاء حيّ يضم أدباء وباحثين يحملون ذاكرته ويكتبون تحولاته ويختلفون في رؤاهم وتجاربهم.

وأقولها بوضوح: من حقي أن أسأل عن غيابي، ومن حق غيري أن يسأل عن فرصته، ومن واجب الجهة المنظمة أن توضح معايير الاختيار. لا أطلب استثناءً، ولا أتهم أحدًا دون دليل؛ أطالب بآلية عادلة وشفافة، تتيح المنافسة وتمنح العمل الجيد فرصته، وتراجع أي اختلال في التمثيل إن ثبت وجوده.

فإذا كان الملتقى يهدف حقًا إلى إتاحة المجال أمام أصوات أبناء سيناء، فلتكن هذه الإتاحة ممارسةً واضحة في الاختيار، لا عبارةً جميلة في بيان صحفي. وإذا كانت المعايير موضوعية، فإن إعلانها يعزز الثقة في الملتقى؛ وإذا كانت هناك ثغرات في آليات المشاركة، فإن مراجعتها واجب ثقافي ومؤسسي.

لا تكتمل هوية سيناء بمن يتحدثون عنها وحدهم، بل أيضًا بمن تُتاح لهم الفرصة كي يتحدثوا من داخل تجربتها.

مساحة إعلانية