مساحة إعلانية
في خبرٍ مرَّ كأنه مشهد من فيلم سينمائي، طالعتنا الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي بقصة ذلك العاطل الذي أدار شبكة علاقات واسعة، وانتحل صفة "قاضٍ" في مصر، حاصداً احترام كل من حوله وهيبتهم لسنوات طويلة، قبل أن تسقط الأقنعة.
يبدو الأمر، للوهلة الأولى، مجرد قضية احتيال لجمع المال، لكن القراءة المتأنية للأبعاد النفسية والاجتماعية لهذه الواقعة تفتح الباب أمام ملف أعمق بكثير؛ ملف يرتبط بتلك الثيمة الشهيرة في رواية «السيد ريبلي الموهوب» (The Talented Mr. Ripley) للكاتبة باتريشيا هايسميث. ففي تلك الرواية، لم يكن انتحال الشخصية مجرد سلوك إجرامي لحصد المكاسب، بل كان آلية دفاع نفسية للهروب من وطأة التهميش والشعور القاتل باللامرئية.
عقدة «ريبلي».. الانتحال هروب من الموت الرمزي
في الرواية، لا يتقمص توم ريبلي شخصية صديقه الثري ديكي غرينليف لمجرد الاستيلاء على أمواله، بل ليتخلص من ذاته القديمة المحطمة. يهرب ريبلي من أناه الضعيفة التي لا يراها أحد، ليرتدي ذاتاً أخرى تمنحه، دفعة واحدة، ما حرمه المجتمع منه: الهيبة، والمكانة، والتقدير.
وهذا التحول هو جوهر ما حدث مع "القاضي المزيف". فالشخص الذي يقبع في قاع الهرم الاجتماعي، بلا عمل ولا قيمة معنوية، يعاني مما يُعرف في علم النفس الاجتماعي بـ"الموت الرمزي"، أي أن يكون جسده موجوداً بين الناس، بينما تأثيره واعتراف المجتمع به معدومان.
والبحث عن التقدير ليس مجرد رفاهية، بل هو حاجة نفسية أساسية لا تقل أهمية عن الطعام والشراب. وعندما يُغلق أمام الإنسان طريق الحراك الاجتماعي الطبيعي، يصبح ارتداء زي "القاضي" ـ بما يحمله هذا اللقب في وجدان الناس من سلطة ونفوذ ونزاهة مفترضة ـ وسيلته الوحيدة للشعور بأنه موجود ومحترم.
وتكمن المعضلة النفسية في أن الشخص، مع مرور الوقت، قد يتشرب الصفة المنتحلة إلى درجة ينسى معها ذاته الأصلية؛ فيصبح، في عقله الباطن، هو القاضي بالفعل، وتغدو ذكراه كـ"عاطل" مهمش مجرد كابوس قديم يسعى إلى محوه بكل ما أوتي من قوة.
حين تموت الكفاءة لصالح المحسوبية
هذه الظواهر لا تظهر فجأة من فراغ، بل تنمو في تربة اجتماعية وسياسية يغيب فيها تكافؤ الفرص وتتراجع فيها المؤسسية الحقيقية.
ففي المجتمعات التي تراجعت فيها قيمة الكفاءة والاجتهاد لصالح الولاءات والمحسوبية، يصل الفرد إلى يقين مرير بأن سنوات دراسته وسعيه لن تضمن له مكاناً محترماً تحت الشمس، وأن الترقي الاجتماعي أصبح حكراً على فئات بعينها.
وهنا ينكسر الرابط الطبيعي بين الطموح والوسيلة المشروعة لتحقيقه:
يتلاشى المعنى من السعي المنهجي، فيغدو الطموح التقليدي نوعاً من العبث الذي لا يقود إلى شيء.
تسيطر سيكولوجية القفز، فيميل الفرد إلى البحث عن أقصر الطرق، ولو كانت غير مشروعة، للوصول إلى المكانة والوجاهة.
تترسخ العقد الطبقية، فيصبح التقدير مرهوناً باللقب والرتبة، مثل "سيادة المستشار" أو "سعادة الباشا"، بدلاً من القيمة الإنسانية أو الإنجاز الحقيقي.
إن المجتمع الذي يزن الإنسان بمنصبه لا بإنسانيته، يمارس ضغطاً هائلاً على أفراده للبحث عن "اللقب" بأي ثمن. وعندما يستحيل الحصول عليه بالطرق المشروعة، يصبح انتحال الشخصية، في نظر البعض، وسيلة للتكيف مع واقع مغلق.
لماذا يصدق المجتمع «القاضي المزيف»؟
الجزء الأكثر إثارة في واقعة "القاضي المزيف" ليس براعة المتهم في أداء الدور، بل جاهزية البيئة المحيطة لتصديقه، رغم أن مفرداته وأداءه المبالغ فيه وظهوره الفج ليست من سمات القاضي.
في رواية "السيد ريبلي الموهوب"، ينخدع الجميع لأن ريبلي يمنحهم الصورة التي يتوقعون رؤيتها.
والأمر نفسه يحدث في واقعنا العربي؛ فالمجتمع الشغوف بالمظاهر والسلطة يتواطأ، من حيث لا يشعر، مع المحتال. يبحث الناس عن "المستشار" لقضاء مصالحهم أو للتقرب من مظلة السلطة، فلا يفتش أحد في الأوراق أو التفاصيل، ما دامت هيبة اللقب حاضرة، ولغة التعالي موجودة.
لقد نجح ذلك العاطل في أداء الدور، لأن المجتمع نفسه لقنه قواعد اللعبة: "كن صارماً، تحدث بلهجة الآمر، وابنِ حاجزاً بينك وبين الناس... وسيطيعونك."
سقوط الأقنعة وبداية الإصلاح
إن قصة "السيد ريبلي" وقصة "القاضي المزيف" ليستا مجرد حكايتين في أرشيف الأدب أو سجلات الجريمة، بل هما إنذار صريح بالتكلفة الباهظة للتمييز الاجتماعي وإغلاق منافذ الأمل.
فعندما تتهاوى أحلام الشباب على أبواب المحسوبية، لا تستسلم الذات الإنسانية للموت الرمزي، بل تصنع لنفسها واقعاً بديلاً، حتى وإن كان مجرد قناع هش.
إن علاج هذه الظاهرة لا يكون بالحلول الأمنية وحدها، بل بفتح الأبواب أمام الحراك الاجتماعي الحقيقي، وإعادة الاعتبار للكفاءة والجهد بدلاً من المحسوبية والولاءات، وبناء مجتمع يحترم الإنسان لذاته، لا للمنصب الذي يشغله، ولا للكرسي الذي يجلس عليه.