مساحة إعلانية
●● رحل أشرف البولاقي، وأجزاء كبيرة من الثقافة في قنا رحلت معه، فقد كان كائنا استثنائيا في الحركة الثقافية في قنا، وجزء من الحركة الثقافية المصرية.
●● أشرف البولاقي، كثير من الألقاب، وجميعها يستحقها، فهو شاعر وأديب وقاص وناقد وباحث، وهي ألقاب موجودة في الكثيرين في كافة محافظات مصر ولكن اللقب القليل الوجود في مصر هو لقب المفكر.
●● أنا استمتعت بأشرف البولاقي في كل ألقابه ،فهو شاعر رائع، وأديب شامل وقاص وروائي تقرؤه وتستمتع بإبداعاته،وناقد لا يحابي أحدا، وأيضاً لا يذبح أحدا بالكلمة، وكان لي شرف أن قدم نقداً لروايتي «أشياء عن النيل والأنثي والبكاء وما بينهم» وكان نقداً بناءً ولم تتدخل صداقتنا الممتدة لأكثر من ربع قرن وقت نشرها في الزيادة أو النقصان ،فأنا أظن أن البولاقي كان ينسي اسم صاحب العمل الذي سيقوم بنقده ، أو تقديم دراسة عنه ، وبعد الانتهاء من عمله يتذكر اسم صاحب العمل ،وهو ما لن نراه مرة أخري بعد رحيل أشرف البولاقي.
●● اللقب الذي كنت أراه خلق لأشرف البولاقي ، هو المفكر، ولا توجد جلسة جمعتنا معاً إلا ويكون الكلام كله منصبا علي المفكر، وتحديداً الفرق بين الشخص الذي لا يفهم وبين الغبي.. أنا كنت أري الإثنين واحد، بينما هو كان يري أن الغبي أفضل ممن لا يفهم ، فالغبي من الممكن أن ينجح إذا قام بعمل ما يملي عليه دون إضافة أو نقصان ، فالحمار غبي ولكن يذهب من البيت للحقل دون أن يزيد متراً أو ينقص من المسافة متر.
●● إشكالية أشرف البولاقي كانت مع قليلي الفهم ، فهؤلاء هم المعضلة الاجتماعية التي كان يعمل عليها ،وأذكر أننا وصلنا إلي نتيجة أن من لا يفهم إذا قام بعمل ، ما عليه سوي أن يصفي ذهنه ، ثم يبدأ في مراجعة عمله مرة أخري سيجد نفسه- الشخص- يصف نفسه بالغباء ،لأن هناك ما لم يدركه ، وبذلك يرتقي من عديم الفهم ، إلي مرحلة الحمار.
●● أشرف كان يرفض أن تتحول مقالاته إلي ساحة صراع ، يسب فيها المتفاعلين بعضهم بعضاً، كان يقول أنا لن أقوم بحظرك إذا سببتني، لكن أن تسب من علق علي صفحتي سأقوم بالحظر فوراً.
●● إشكالية المثقف الحقيقي، هي مع من لا يفهم، لأنه لم يفكر، وبالطبع من لا يفكر ،هو الوحيد الذي يظن نفسه أنه علي صواب ، ومن حوله هم من لا يفهمون، وبالتالي جنب نفسه العلاج مبكراً.
●● أشرف البولاقي كان ليبرالياً إلي أبعد الحدود ،وهذا كان يسبب له العديد من المشاكل مع أنصاف المثقفين والعامة ممن وقع منشوره أمامهم ، فتجدهم يدخلون ويشتبكون ،وهم أبيض يا ورد ،ورغم ذلك لم أضبطه في يوم من الأيام يسب هؤلاء أو يقوم بالسخرية منهم ،فهو يعلم أن تفكيرهم ناقص، ولا يصرح بذلك.
●● أشرف البولاقي كان لا يؤمن سوي بعصمة القرآن الكريم، رغم أن هناك كثيرين صنفونه بأنه علماني، وبالطبع أنت تعرف من هؤلاء أنهم الذين لا يفكرون.
●● ما عدا القرآن ، فكل شيء قابل للتفكير والتساؤل ،فالشخص الذي يسلم بالمعلومة دون أن يفكر فيها ويري مدي عقلانيتها، وهل تتوافق مع النصوص الإلهية أم لا؟ هو شخص قليل الفهم، ولا يجب أن يضيع وقته معه.
●● إن من يقرأ أعمال أشرف البولاقي الفكرية، سيجد نفسه قد فاته الكثير من الحياة، لا لشيء إلا لأنه أوقف نعمة التفكير لديه ،فكتابات البولاقي تفتح لك مساحات شاسعة في التفكير، ولم يقتصر ذلك علي الأدب ،بل هو كان دائم التفكير في كل شيء في الأهلي والزمالك، في الطب والكيمياء، ووسائل التواصل، والتيك توك، والفيس بوك، والأكل والشراب في جسم الإنسان، في القلب والامعاء وفوائد القلفة للذكر، وأضرار الطهارة، والشهوة ،والمرأة والزراعة والفضاء، وكان لديه جزء أطلق عليه المفضليات الأخرى، وكان يحتفي فيه بأي كتابات تؤمن بالفكر وكأنه بحار يستخرج الأجود من الأسماك، وليس كل ما يقابله يستحق الصيد.
●● أشرف كان لا يفعل شيء في الحياة سوي أن يسأل عن الأصدقاء ،ويكتب ويفكر ،واتحدي أن تجد خطأ إملائيا واحدا في كل ما كتبه علي الفيس بوك، وناقشته في ذلك فقال “الخطأ معناه أنك كتبت دون أن تراجع، وبالتالي أنت لا تفكر، وأنا أكره من لا يفكر، لذا أراجع أي بوست سواء كان كلمات قليلة، أو آلاف الكلمات، لابد أن يخرج البوست خاليا من هذا العيب الذي قد يقلب المعني كله”.
●● أشرف البولاقي رحل، ورحل معه جزء لا يستهان به من الثقافة في قنا.. ستسألني ولماذا تجزم؟، سأقول لك لأنني قنائي، ولم أكن شجاعاً لأبقي في قنا مثل أشرف البولاقي ومحمود مغربي وصفوت البططي وعبدالناصر علام ومحمود الأزهري ومحمد نصر يسن.. نعم هربت إلي جحيم القاهرة، بينما ظل هؤلاء في قنا، يقدمون الحب والإبداع، ويكتشفون المواهب الحقيقية، والمصادفة أن جميعهم رحلوا عن عالمنا، وكان آخرهم أشرف البولاقي.
●● يوجد الآن في قنا مثقفون وشعراء عظام وقصاصون وروائيون ونقاد، ولكن ليس بينهم من يجمع كل هذا في شخصه، وليس بينهم أشرف بولاقي واحد بكل الزخم الذي كان يفعله.
●● آخر مقابلة مع أشرف البولاقي ،وكنت أنا وهو، ومصطفي عبادة الشاعر والصحفي الرائع.. ظللنا نتناقش ونتحدث، ويعلو صوتنا وينخفض، وننصح بعضنا ونكشف أسرارنا لبعضنا البعض، ونأتي بسيرة فلان وعلان، ولكن في إطار الأدب والشعر والنقد، فلم يعننا أن فلان نسونجي أو مزواج أو علاقاته النسائية مشبوهة، ولكن كان الحاضر هو فلان الأديب وفلان الشاعر، لأننا جميعنا بشر ونخطئ ،ولكن ليس جميعنا شعراء وأدباء ومثقفين ومفكرين.
●● رحيل البولاقي.. كل من قرأ الخبر، سيجد أن عدداً كبيراً ممن كتبوا الخبر لم يصدقوا من أول مرة أو ثاني مرة، وأنا واحد منهم وكنت أظن أنني الوحيد الذي لم يصدق رحيله، ولكن فوجئت أن الأغلب الأعم المفاجأة جعلته يقول” إن هذه مزحة سخيفة “ولسوء حظنا جميعاً، كانت حقيقية وليست مزحة.
●● سأظل أتذكر أشرف البولاقي كل ساعة، وهذه ليست مبالغة مني، فالسبب واضح، أنني أتعامل يومياً مع الكثيرين ممن عطلوا حاسة التفكير لديهم، ويعود الفضل في معرفة هؤلاء الذين يستنزفون قوتك إلي أشرف البولاقي.
نم ياصديقي إلي أن نلتقي.