مساحة إعلانية
شاهدت على وسائل التواصل الاجتماعي مقطعًا مؤثرًا لاثنين من المواطنين الشرفاء في مدينة الإسكندرية، وهما يلاحظان شخصًا يسرق كابلات أعمدة الإنارة من أحد الكباري. لم يقفا موقف المتفرج، بل قاما بتصويره متلبسًا بالجريمة، ومنعاه من استكمال السرقة، ثم أبلغا الجهات المختصة. وخلال ساعة واحدة فقط، نجحت وزارة الداخلية في القبض على المتهم.
هذه الواقعة تحمل أكثر من رسالة، وتؤكد أن التعاون بين المواطن والأجهزة الأمنية هو أحد أهم أسلحة مواجهة الجريمة.
وعند التأمل في نتائج جريمة واحدة كهذه، نجد أن الجميع خاسر.
الشعب خسر كابلات تم شراؤها من أموال دافعي الضرائب، وسيتحمل تكلفة شراء بدائل لها وتركيبها من جديد. وخلال فترة الإصلاح، يفقد الكوبري جزءًا من الإنارة، وهو ما قد يؤثر في مستوى السلامة والأمان لمستخدميه.
ورجال الشرطة يبذلون وقتًا وجهدًا في تعقب وضبط مرتكبي هذه الجرائم، وهو جهد كان يمكن توجيهه إلى مهام أمنية أخرى، لولا وجود من يصر على الاعتداء على المال العام.
أما السارق، فقد خسر حريته ومستقبله، وسيواجه العقوبة التي يقررها القانون، وربما يقضي سنوات من عمره خلف القضبان بسبب مكاسب مؤقتة لا تساوي شيئًا أمام ما فقده.
كما تتحمل الدولة أعباء كبيرة نتيجة كل قضية جنائية؛ من إجراءات الضبط والتحقيق، وأعمال النيابة العامة، والمحاكم، وتنفيذ العقوبة داخل المؤسسات الإصلاحية، إضافة إلى برامج التأهيل والإصلاح التي تهدف إلى إعادة دمج المحكوم عليهم في المجتمع بعد انتهاء مدة العقوبة.
لهذا فإن السرقة ليست مجرد اعتداء على ممتلكات الآخرين، بل هي جريمة تستنزف موارد المجتمع بأكمله، وتضر بالاقتصاد، وتبدد جهود مؤسسات الدولة، وتزعزع شعور الناس بالأمن.
وفي المقابل، تبقى مهنة رجل الأمن من أشرف المهن، لأنها تقوم على حماية الأرواح والممتلكات، وصيانة النظام العام، والعمل ليلًا ونهارًا حتى يعيش الناس في أمن واستقرار. كما أن المواطن الشريف الذي يبلغ عن الجريمة أو يمنع وقوعها، في إطار القانون ودون تعريض نفسه للخطر، يعد شريكًا حقيقيًا في حماية المجتمع.
ويبقى السؤال الذي يطرحه كثيرون: كيف نردع جرائم السرقة بصورة أكثر فاعلية؟
تتعدد الآراء حول وسائل الردع، فمن الناس من يدعو إلى تشديد العقوبات، ومنهم من يرى أن الحل يبدأ بمعالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية، ومنهم من يطالب بتطوير برامج إعادة التأهيل حتى لا يعود المجرم إلى الجريمة بعد انتهاء العقوبة. وفي جميع الأحوال، فإن تحديد العقوبات وتعديلها هو اختصاص السلطة التشريعية، ويجب أن يتم في إطار الدستور والقانون والضمانات القضائية.
إن بناء مجتمع آمن لا يتحقق بالعقوبة وحدها، وإنما باجتماع الردع، وسيادة القانون، وسرعة العدالة، والتوعية، والتربية، والتكافل الاجتماعي، حتى تصبح الأمانة قيمة راسخة، ويصبح الاعتداء على المال العام أمرًا يرفضه الجميع.
فالسرقة أنجس المهن لأنها تهدم المجتمع، والأمن أسمى المهن لأنه يحميه.