مساحة إعلانية
مع حلول شهر رمضان المعظم.. وفى ليلة الرؤية ، التى ما إن تثبت ، حتى يخترق ظلام بلدتنا ، و هدوء ليلها، صوتُ الرصاص ، من بنادق أهل البلدة ، وهذا هو أسلوب التعبير عن ابتهاج الناس - هناك - بمقدم هذا الشهر العظيم
أذكُرُ ذلك تماما ، فما زال هذا الطقس القديم ماثلًا أمامى ، و يعيش بداخلى ، وحين أذكر ذلك لأبنائى وأحفادى ، وهم يشاهدون -الآن - فى جهاز التلفاز، الفوانيس التى تتقافز على شاشته الصغيرة - ليلة ثبوت الرؤية - و إعلان "الشيخ المفتى" عن بداية دخول الشهر الكريم ، ثم الأغانى الرمضانية ( أهلا رمضان ، وحاللو يا حاللو ، ورمضان جانا ) وكل هذه المظاهر الحديثة ، لا يصدقون أن بلدتنا - هناك فى جنوب الصعيد ، " الصعيد الجُوّانِى "- كان لها طقس مغاير فى استقبال هذا الشهر الكريم .
ولم يكن هناك - عند أذان المغرب - صوت المدفع الذى ينطلق ، قبل الأذان مباشرة ، بل كان يتطوع الأفراد الأثرياء ، الذين يمتلكون البنادق ، بإطلاق بنادقهم ، عندما يحين موعد الإفطار، وهم يسمعون "بداية الأذان" فى المسجد الجامع فى قريتنا ، أو القرى المجاورة ( والبندقية كانت ضرورية فى القرية ، للدفاع بها عن النفس ، لو حاول لص أو أحد أشقياء أولاد الليل، السطو على البيت ، أو محاولة سرقة المواشى )
و فى ليالى رمضان تُضاء الساحات و" المنادر "فى البلدة ، ويتزاور الناس فى ليالى رمضان ، أفواجًا أفواجًا ، من أهل البلدة والبلدان المجاورة ، سيرًا على الأقدام ، أو كانوا يستخدمون الركائب ( الحمير ) عند الانتقال من بلد إلى بلد مجاور..
وقارئ القرآن - فى الساحة أو المنضرة - شئ ضرورى ، وهو الذى يجعل للسهرة معنًى، فشهر رمضان هو شهر القرآن ، وأنا أقول من فن الواو فى ذلك:
لا تـْـقول لي ماعز و لا ضان
ولا دا فقيرِ و ْ دا قادر
الـسَّــهـرَة إنك في رمضان
تِـــفـْتَــح بـــيبان الـمـــنادر
والقارئ (الشهير الذى كانوا يسمّونه بالصيّيت ) و لا يقدر على الاستعانة به من أهل القرية ـ
فى إحياء السهر ـ إلا الغنـِــى وميسور الحال . . وأذكر أننى كنت - عقب انتهاء السهرة - وقبل خروج الصوانى( جمع صينية) و الطبالى ( جمع طبلية ) لموعد السحور ،أطارح الشيخ القارئ معانى بعض مفردات القرآن الكريم - التى أعرفها- و إعراب ألفاظه وموقع اللفظ فى الجملة ، وكنت أستشهد على بعض المعانى بما أحفظ من أبيات الشعر القديم ، فقد قرأت و حفظت أشعارا كثيرة متناثرة ، فى كتاب " تفسير القرطبى" الذى زخر بكمّ - لا بأس به – 6 من الشواهد الشعرية ، ثم ن+ تُختتم هذه المطارحة، بأن أقوم بإلقاء قصيدة من شعرى - بناء على طلب الشيخ القاري ،الذى كان هو بدوره يمتلك ذائقة، نقدية لاذعة - وقد دفعنى هذا إلى أن أجوّد فى الاختيار، وكذلك ، بالبحث والتحضير ، والاطلاع على أكثر من مصدر ومرجع فى هذا الشأن . . !
و فيما بعد ـ عندما اغتربت فى رحلة عمل - وسافرت إلى بعض البلدان العربية . . وعاينت شهر رمضان هناك ، فوجئت بما لم أتوقعه، فقد افتقدت تنفّس نسائم وروائح ما فى مصر من طقوس احتفالية ومن مظاهر البهجة بهذا الشهر الكريم ، الذى كانت أيامه ولياليه - فى هذه البلدان - لا تختلف كثيرا عن غيره من الشهور، فكنت لم أشعر بأننا فى رمضان ، كما كنت أشعر بذلك عندما كنت أشعر فى بلدى مصر . . !
فلا بهجة ولا زينة، فى شارع , ولا فى مسجد ولا فى بيت ولا ساحة، ولا طقوس ، ولا احتفالات ، وحتى أذان المغرب كان وكأنه لا يعنى شيئا غير عادى ، عقب صوم يوم رمضانى بطوله ـ حار وقائظ ـ بحسب الطبيعة المناخية لتلك البلدان ، ولقلّة ـ بل لندرة ـ الاحتفاليات الرمضانية هناك ، كانت هناك دافع احتجاجى لى ، مكّنننى من إبداع جزء وافر من ديوان " واو.. عبد الستار سليم الواو" ، الذى أدين بإنجازه ، واستكماله لهذا الشهر الكريم "شهر رمضان" ، وما تيسر من وصف لنبض حيّ لما شعرت به وإبداعه كان عن رمضان وغير رمضان.. سنقوم بنشره تباعا خلال أيام الشهر الكريم.