مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

الشاعر والباحث عبد الستار سليم يكتب : من مفكرتي الرمضانية - ذكريات رمضانية

2026-02-19 06:26 PM  - 
الشاعر والباحث عبد الستار سليم يكتب :   من مفكرتي الرمضانية - ذكريات رمضانية
الشاعر عبد الستار سليم
منبر

مع حلول شهر رمضان المعظم.. وفى ليلة الرؤية ، التى ما إن تثبت ، حتى يخترق ظلام بلدتنا ، و هدوء ليلها، صوتُ الرصاص ، من بنادق أهل البلدة ، وهذا هو أسلوب التعبير عن ابتهاج الناس - هناك -  بمقدم هذا الشهر العظيم

أذكُرُ ذلك تماما ، فما زال هذا الطقس  القديم ماثلًا أمامى ، و  يعيش بداخلى ، وحين أذكر ذلك لأبنائى وأحفادى ، وهم يشاهدون -الآن -   فى جهاز التلفاز،  الفوانيس التى تتقافز  على شاشته الصغيرة - ليلة ثبوت الرؤية -  و إعلان "الشيخ المفتى"  عن بداية دخول الشهر الكريم ، ثم الأغانى الرمضانية ( أهلا رمضان ، وحاللو يا حاللو ، ورمضان جانا )  وكل هذه المظاهر الحديثة ، لا يصدقون  أن بلدتنا - هناك فى جنوب الصعيد ، " الصعيد الجُوّانِى "- كان لها طقس مغاير  فى استقبال هذا الشهر الكريم .

ولم يكن هناك  - عند أذان المغرب - صوت المدفع الذى ينطلق ، قبل الأذان مباشرة ، بل كان يتطوع الأفراد الأثرياء ، الذين يمتلكون البنادق ، بإطلاق  بنادقهم ، عندما يحين  موعد الإفطار، وهم يسمعون "بداية الأذان"  فى المسجد الجامع فى قريتنا ، أو القرى المجاورة (  والبندقية كانت ضرورية فى القرية ، للدفاع بها عن النفس ، لو حاول لص أو أحد أشقياء أولاد الليل، السطو على البيت ، أو محاولة سرقة المواشى )

و فى ليالى رمضان  تُضاء الساحات  و" المنادر "فى البلدة ، ويتزاور الناس  فى ليالى رمضان ، أفواجًا أفواجًا ، من أهل البلدة والبلدان المجاورة ، سيرًا على الأقدام ، أو كانوا يستخدمون  الركائب ( الحمير ) عند الانتقال من بلد إلى بلد مجاور..

وقارئ القرآن - فى الساحة أو المنضرة - شئ ضرورى ، وهو الذى يجعل  للسهرة معنًى، فشهر رمضان هو شهر القرآن ، وأنا أقول من فن الواو فى ذلك:

لا تـْـقول لي ماعز و لا ضان

ولا   دا  فقيرِ  و ْ  دا    قادر

الـسَّــهـرَة إنك في  رمضان

تِـــفـْتَــح بـــيبان  الـمـــنادر

والقارئ (الشهير الذى كانوا يسمّونه بالصيّيت ) و لا يقدر على الاستعانة به من أهل القرية ـ

فى إحياء السهر ـ إلا الغنـِــى وميسور الحال . .  وأذكر أننى كنت - عقب انتهاء السهرة - وقبل خروج الصوانى( جمع صينية) و الطبالى ( جمع طبلية ) لموعد السحور ،أطارح الشيخ القارئ معانى بعض مفردات القرآن الكريم - التى  أعرفها- و إعراب ألفاظه وموقع اللفظ فى الجملة ، وكنت أستشهد على بعض المعانى  بما أحفظ من أبيات الشعر القديم ، فقد قرأت و حفظت أشعارا كثيرة متناثرة ، فى كتاب " تفسير القرطبى" الذى زخر بكمّ - لا بأس به – 6 من  الشواهد الشعرية ، ثم ن+ تُختتم هذه المطارحة، بأن أقوم بإلقاء قصيدة من شعرى - بناء على طلب الشيخ القاري ،الذى كان هو بدوره يمتلك ذائقة، نقدية لاذعة - وقد دفعنى هذا إلى أن أجوّد فى الاختيار، وكذلك ، بالبحث والتحضير ، والاطلاع  على أكثر من مصدر ومرجع فى هذا الشأن . . !

و فيما بعد ـ عندما اغتربت  فى رحلة عمل - وسافرت إلى بعض البلدان العربية . . وعاينت شهر رمضان هناك ، فوجئت بما لم أتوقعه، فقد افتقدت تنفّس نسائم  وروائح  ما فى مصر من طقوس احتفالية ومن مظاهر البهجة  بهذا الشهر الكريم ، الذى كانت أيامه ولياليه - فى هذه البلدان - لا تختلف كثيرا  عن غيره من الشهور، فكنت لم أشعر بأننا فى رمضان ، كما كنت أشعر بذلك عندما كنت أشعر فى بلدى مصر . . !

فلا  بهجة ولا زينة، فى شارع , ولا فى مسجد ولا فى بيت ولا ساحة، ولا طقوس ، ولا احتفالات ، وحتى أذان المغرب  كان وكأنه  لا يعنى شيئا غير عادى ، عقب صوم يوم رمضانى بطوله ـ حار وقائظ ـ بحسب الطبيعة  المناخية لتلك البلدان ، ولقلّة ـ بل لندرة ـ الاحتفاليات الرمضانية هناك ، كانت هناك  دافع احتجاجى  لى ، مكّنننى من إبداع  جزء وافر  من ديوان " واو.. عبد الستار سليم الواو" ، الذى أدين بإنجازه ، واستكماله لهذا الشهر الكريم "شهر رمضان" ، وما تيسر من وصف لنبض حيّ  لما شعرت به  وإبداعه كان عن رمضان وغير رمضان.. سنقوم بنشره تباعا خلال أيام الشهر الكريم.

 

مساحة إعلانية