مساحة إعلانية
لم أقل يوماً لقبطيٍّ: إنني أحبك. ولم أقل يوماً لقبطيٍّ: إنني أحترمك. ولم أكتب يوماً مقالاً أُعلن فيه تضامني معه، ولا ألقيت خطبةً في الوحدة الوطنية، ولا وقفت أمام عدسةٍ أتبادل القبلات والعناق في المناسبات.
ليس لأن الحبَّ غائب، بل لأنه حاضرٌ إلى حدٍّ يجعل إعلانه ضرباً من العبث. أنا لا أقول لأخي: إنني أحبك. ولا أقول له: إنني أحترمك. وأنا أقول ذلك لا جحوداً ولا قسوة، بل لأن العلاقة بيني وبينه أكبر من أن تُختزل في جملةٍ تُقال في المناسبات، وأصدق من أن تحتاج إلى شهود.
إنني حين أتعامل مع إنسانٍ في العمل أو في الدراسة أو في القطار أو في متجر، لا يخطر ببالي سؤالٌ عن دينه ولا عن مذهبه. لا أرى مسلماً ولا مسيحياً، بل أرى إنساناً. فإن كان محترماً أحببته، وإن كان صادقاً وثقت به، وإن كان صديقاً فتحت له بيتي وقلبي. ولي أصدقاء أقباط يأتون إلى بيتي ضيوفاً، نسهر ونضحك ونتبادل الهموم، ولا يخطر ببالي ولا ببالهم أننا نُجسِّد نموذجاً للتعايش. نحن لا نتعايش، نحن نحيا. والفرق بين الحياة والتعايش كالفرق بين الحبِّ والتمثيل.
إن من يُكثرون من الحديث عن الوحدة الوطنية هم أنفسهم الذين يعمِّقون فكرة الانقسام من حيث لا يدرون، أو من حيث يدرون. فحين تقول لشخصٍ: أنا أحبك لأنك قبطي، فأنت تضع بينك وبينه حاجزاً لم يكن موجوداً. وحين تقول: أنا أقبل بك شريكاً في الوطن، فأنت تعلن أنك الأصل وهو الضيف، وأنك المالك وهو الشريك. وأنا لا أرى القبطيَّ شريكاً. فالشريك له نصيبٌ معلوم، وله حقٌّ محدود، وله حدودٌ مرسومة. أما الأخ فليس له نصيب، بل له كلُّ ما أملك.
أخي إذا احتاج شيئاً أخذ من نصيبي، وإذا مرضت زوجته وأرادت أن تضع مولودها، أعطيته من مالي، فإذا جاء وقت الحساب قلت له: هذه الولادة على حسابي، أو نقتسمها بالسوية، بل هي هديةٌ مني. ثم أعود وأقول له: ليست هدية، بل هي حقك، لأنني كلي ملكٌ لك. وهكذا أنا مع القبطي. أنا كلي ملكٌ له، وهو كله ملكٌ لي. لا أمنُّ عليه ولا يمنُّ عليّ، ولا أُحصي له ما أعطيت ولا يُحصي لي ما أعطى.
إن الوحدة الوطنية ليست شعاراً يُرفع في الأعياد، ولا صورةً تُلتقط أمام الكنائس، ولا مقالاً يُكتب لكسب رضا الناس. إنها سلوكٌ يوميٌّ لا يُرى ولا يُسمع. إنها أن تنسى تماماً أنك تتحدث إلى مختلفٍ عنك. إنها أن يصبح الاختلاف غير مرئيٍّ إلى درجة أنك لا تشعر بالحاجة إلى إثبات أنك متسامح.
أما الذين يتاجرون بالوطنية، ويجعلون من حبِّ الأقباط سلعةً صحفيةً ومطيّةً للشهرة، فإنهم لا يخدمون الوطن، بل يمزِّقونه. إنهم يعلنون الحبَّ على الملأ ليُقال عنهم إنهم مستنيرون، ويكتبون عن التسامح ليحصلوا على مقعدٍ في ندوة، ويزورون الكنائس لا حباً في أهلها، بل حباً في عدسات المصورين. إن نفاقهم أخطر من صراحة المتعصبين، لأن المتعصب يعلن عداوته فتُعرف، أما المنافق فيُخفي مصلحته خلف قناع المحبة فيُخدع به البسطاء.
إنني أعرف قداسة البابا تواضروس، وأعرف نيافة الأنبا روفائيل، وأعرف نيافة الحبر الجليل الأنبا يونان. وقد شاركت في بناء الكنائس، وجلست مع رجال الدين، وتبادلت معهم الحديث الإنساني الصادق. ومع ذلك لم أدّع يوماً أنهم يزورونني أو أزورهم لأصنع من ذلك بطولة. ولم أكتب يوماً أنني صديق الكنيسة لأتزيّن بذلك أمام الناس. لأن الصداقة الحقيقية لا تحتاج إلى إعلان، والحبَّ الحقيقي لا يحتاج إلى دعاية.
إن مصر لا تحتاج إلى من يقول: نحن واحد. بل تحتاج إلى من ينسى أننا اثنان. لا تحتاج إلى من يرفع شعار الهلال مع الصليب، بل إلى من لا يرى فرقاً بين هلالٍ وصليبٍ حين يتعلق الأمر بإنسانٍ جائعٍ أو مريضٍ أو مظلوم. إن الوطنية ليست أن تُظهر أنك تحبَّ المختلف، بل أن تنسى أنه مختلف.
فكفّوا عن الادعاء. كفّوا عن النفاق. كفّوا عن جعل الأقباط مادةً للخطب الرنانة والمقالات المزيفة. اتركوا الحبَّ يعيش في صمته، فالصامت الصادق أبلغ من الصارخ الكاذب. إن من يحبُّ حقاً لا يقول: أنا أحب. بل يحيا وكأن الحبَّ هو الهواء الذي يتنفسه، فلا يشعر به ولا يشعر به الآخرون، ولكنهما يموتان بدونه.