مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

ياسر القاضي يكتب:"حاول تفهم" استكانة الروح واستعاذة الشيطان

2026-11-05 06:01 AM  - 
ياسر القاضي يكتب:"حاول تفهم" استكانة الروح واستعاذة الشيطان
ياسر القاضي

hyasser10@yahoo.com

في مفترق العمر، تتشعّب الأحداث وفقًا لمترابطات الواقع، وفي أعماق النفوس المفعمة بمتغيرات الروابط الاجتماعية، نبني عالمًا من الافتراضات التي قد تنطوي في جوهرها علي مخارج لخواطر أشد أثرًا من انقسام الذرة وانشطارها.
وبينما نحن كذلك، إذ بالأحداث تتبدّل علي نحوٍ لم نعهده من قبل، وتلوح في الأفق أشباه عواصف تنذر بالخوف؛ ترقُّبٌ يعقبه وهن، وقلقٌ يتسلّل إلي النفوس، حتي تصبح أشباه العواصف رقيبًا علي ما افترضناه من مسارات، وما رسمناه من احتمالات.تلتئم الجروح، لكن جروح النفس تظل حبيسة القلوب المثقلة بترانيم السكون، وكأنها آلامٌ تأبي البوح، وتخشي أن تجد في الكلام انكشافًا لما ظلّ طويلًا وراء أسوار الصمت.وترتعد فرائصنا أمام واقعٍ شتويٍّ مثقل بالثلوج، وتهبّ ريحٌ صرصرٌ عاتية، تشقّ الطريق إلي مفترقٍ جديد، فتخلو الطرقات، ويخيّم الصمت علي جنبات المدينة، وكأن زائرها أحد أولئك الذين اعتادوا السكني في القصور، فلا يلتفتون إلي ما تعانيه الأرواح خلف النوافذ المغلقة.رحلةٌ تتبعها أخرى، وسفينةٌ تعبر قناة الأرحام، فتسقي العطشي من أولئك الذين باتت أرواحهم سجينة الأشباح، تتنازعهم المخاوف، وتطاردهم ظلالٌ لا يعرفون لها نهاية، حتي يغدو الحلم ومضةً تتساقط في مخيلة العقول، فتثير الدهشة، وتوقظ في أعماقها براكين من التساؤلات.ثم تفور البراكين المنبعثة من بواطن أولئك الأشرار الذين تحوّلوا إلي أشباه الشياطين؛ ينفثون سمومهم في مسارات الحياة، ويتركون خلفهم رمادًا من الخيبات، وندوبًا لا تمحوها الأيام بسهولة.
وهنا، تتقدّم الاستعاذة لتفتح مغاليق النفوس التي طرأت عليها الوساوس، وتسلّلت إليها الهمسات الماكرة، كأنها النفاثات في العُقَد؛ تلك التي تستهدف طمأنينة الروح، وتعبث بسكون القلب، وتزرع الشك حيث ينبغي أن ينمو اليقين.وما زلت أقرأ آيات الرقية، وأتشبّث بما تمنحه الروح من يقينٍ في مواجهة العواصف، لكن يبدو أن النفثات قد ازدادت جرأةً عمّا كانت عليه من قبل، وأن أبوابًا من الفتن لا تُغلق بمجرد التمنّي، بل تحتاج إلي بصيرةٍ تميّز، وإرادةٍ تصمد، ونفسٍ لا تستسلم لوساوسها.إنها استكانة الروح بعد مدادٍ طويل من الترتيل؛ لحظةٌ تستردّ فيها النفس أنفاسها، وتستجمع قواها، وتبحث عن نافذةٍ للنجاة وسط ضجيج العواصف.
وعند النهاية، ينهض بناءٌ ضخمٌ ليسقط فوق تلك الفوّهة المتّسعة للبركان، فتُطوي صفحةٌ من الاضطراب، وينغلق ذلك الباب الذي ظلّ مفتوحًا في جنبات المدينة؛ وكأنما كُتب للروح، بعد طول معاناة، أن تجد سبيلها إلي السكينة، وأن تدرك أن العواصف، مهما اشتدّت، لا تملك أن تنتزع من القلب إرادته في النجاة.

مساحة إعلانية