مساحة إعلانية
بقلم عبد السلام زاده ميرزوشريف محبت
أستاذ في قسم العلوم السياسية والدبلوماسية، معهد الاقتصاد العالمي والدبلوماسية، الجامعة الدولية للسياحة وريادة الأعمال في طاجيكستان
باحث وخبير في قضايا التراث الثقافي.
حصلت جمهورية طاجيكستان على استقلالها الوطني في 9 سبتمبر عام 1991، وبذلك حقق الشعب الطاجيكي مرة أخرى حلمه العريق، وأصبح يمتلك دولة مستقلة. وكان هذا الاستقلال بالنسبة إلى الشعب الطاجيكي، قبل كل شيء، استقلالاً ثقافياً وحضارياً. لماذا؟ لأن طاجيكستان أصبحت منذ ذلك الحين دولة تحدد سياستها الثقافية بصورة مستقلة، وتقيم علاقات دبلوماسية مباشرة مع المنظمات الدولية. وكانت هذه الإمكانية غير متاحة في السابق للجمهوريات التابعة للاتحاد السوفيتي.
وعلى الرغم من أن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، وهي المنظمة الثقافية الدولية الأبرز، تأسست عام 1945، وأن حكومة الاتحاد السوفيتي كانت تتعاون معها حتى عام 1991، فإن الجمهوريات غير المركزية، ومن بينها طاجيكستان، لم تكن تملك الحق في إقامة وتطوير علاقات ثقافية مباشرة مع هذه المنظمة، سواء دون علم المركز أو حتى بموافقته. وقد أتاح الاستقلال الوطني تحديداً الظروف والإمكانات اللازمة لجمهورية طاجيكستان لتوسيع علاقاتها الثقافية بصورة مباشرة ومستقلة.
ويمثل الاستقلال ذروة مجد الدولة ووحدتها وتكاملها في مختلف جوانب بناء الدولة، بما في ذلك الاستقلال في مجالات الطاقة والسياسة والمجتمع والثقافة وغيرها. وتشكل هذه المجالات مجتمعة مفهوم الاستقلال الوطني، وتضمن متانة الأسس الوطنية للدولة. ومن بينها، يمكن اعتبار الثقافة والاستقلال الثقافي الأساس الأهم والأكثر رسوخاً لبناء الدولة الوطنية.
ولهذا السبب، كان من أوائل القوانين التي أُعدت وأُقرت في جمهورية طاجيكستان الحديثة بعد تحقيق الاستقلال والوحدة، قانون جمهورية طاجيكستان «بشأن الثقافة»، الذي أُقر عام 1997، متضمناً مستوى رفيعاً من المعايير القانونية والتنظيمية، وشاملاً لعدد من المجالات الاجتماعية الأساسية. واستناداً إلى هذا القانون، أُعدت وأُقرت مجموعة من القوانين والوثائق التنظيمية والتعليمات القطاعية التي تنظم مختلف جوانب المجال الثقافي. وكما هو معلوم، فإن إدارة وتنظيم أي مجال يتطلبان وجود معايير محددة وحدود واضحة، وقد ظلت هذه الوثائق تؤدي دورها بوصفها إطاراً تنظيمياً منذ اعتمادها وحتى يومنا هذا.
وتُعد الدبلوماسية الثقافية لجمهورية طاجيكستان موضوعاً واسعاً ومتعدد الأبعاد، يشمل القضايا المتعلقة بالتعاون الثقافي مع مختلف دول العالم والمنظمات الدولية والمؤسسات الإقليمية في المجال الثقافي. وتجدر الإشارة إلى أن جمهورية طاجيكستان أقامت حتى اليوم علاقات وتعاوناً ثقافياً مع أكثر من 50 دولة حول العالم، وهو ما يشكل أحد المكونات الأساسية للدبلوماسية الثقافية.
ومن الجدير بالذكر أنه بعد النزاعات الداخلية التي شهدتها البلاد خلال الفترة 1992–1997، تعرض عدد من المؤسسات الثقافية، بما فيها المتاحف والمكتبات والنوادي الثقافية ومؤسسات النشر والطباعة، فضلاً عن المعالم التاريخية والثقافية والقواعد الأثرية، للدمار والتدهور. وبفضل الاستقلال الوطني، أُعيد تأهيل وترميم المؤسسات الثقافية، بل وأُنشئت في معظم المدن والمناطق في الجمهورية قصور للثقافة وفق تصاميم وأساليب معمارية مميزة، وتم افتتاح العديد منها رسمياً بحضور ومشاركة مؤسس السلام والوحدة الوطنية، زعيم الأمة، فخامة السيد إمام علي رحمان.
وبعد تحقيق الاستقلال الوطني، أولت حكومة جمهورية طاجيكستان اهتماماً خاصاً لإعادة تأهيل المؤسسات الثقافية وصون التراث الثقافي، إذ كان ذلك أمراً ضرورياً لبناء الهوية الوطنية وحماية الذاكرة التاريخية. وقد أكد فخامة مؤسس السلام والوحدة الوطنية، زعيم الأمة، السيد إمام علي رحمان: «في الظروف الراهنة، إذا أرادوا القضاء على أمة ما، فإنهم يبدأون قبل كل شيء بالقضاء على لغتها وثقافتها وعاداتها وتقاليدها الوطنية».
ولحسن الحظ، وبفضل الاستقلال الوطني، تمكنت جمهورية طاجيكستان من صون ثقافتها ولغتها وحضارتها التي تمتد جذورها لأكثر من ستة آلاف عام. ولم تكتفِ بحمايتها وصونها، بل عملت كذلك على تقديمها والتعريف بها على الساحة الدولية. وخلال هذه الفترة، أُعيد إحياء التراث الثقافي المادي وغير المادي للشعب الطاجيكي، وأصبح تطويره أحد المهام والبرامج ذات الأولوية لدى حكومة جمهورية طاجيكستان.
وفي إطار البرامج الحكومية، تم حتى عام 2025 ترميم وإعادة تأهيل 116 معلماً تاريخياً وثقافياً ومعمارياً وأثرياً بصورة كاملة، كما أُدرج عدد منها في قائمة التراث الثقافي العالمي لليونسكو. ومن أبرز هذه المعالم: مدينة سَرَزم القديمة، وقلعة حصار، وقلعة هلبوك، وضريح حضرة سلطان، وضريح مير سيد علي الهمداني، وضريح خواجة محمد باشارو، وضريح ومدرسة خواجة مشهد، وقلعة بيشكنت، وقلعة بلجوان، وقلعة فومار، وقلعة يَمْتشون، وتل موغ في مدينة إسترافشان، وغيرها من المعالم المماثلة.
كما أُعيد إحياء عناصر من التراث الثقافي الوطني غير المادي للشعب الطاجيكي، والتي ظلت لسنوات طويلة وقرون عديدة في طي النسيان، وكانت مهددة بدرجة كبيرة بالاندثار. وتُعد الاحتفالات الوطنية الأربعة، وهي نوروز وسده ومهرجان و«تيرغان»، من أبرز وأهم الأمثلة على ذلك.
وقد اتخذت حكومة جمهورية طاجيكستان، في إطار السياسة الثقافية التي ينتهجها زعيم الأمة، فخامة السيد إمام علي رحمان، القرار المناسب في هذا الشأن، ووجهت الوزارات والهيئات الحكومية المعنية، ولا سيما وزارة الثقافة في جمهورية طاجيكستان، إلى إعداد القوائم الوطنية للتراث الثقافي في أقصر وقت ممكن.
وقد مثل ذلك إحدى المبادرات المهمة لحماية القيم الثقافية، وأصبح لاحقاً أساساً مهماً لإضفاء الطابع العالمي على التراث الثقافي. فعندما انضمت جمهورية طاجيكستان عام 2010 إلى اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي، أصبح من الضروري، وفقاً لمتطلبات الاتفاقية، أن تمتلك الدول التي ترغب في إدراج عناصرها الثقافية على المستوى العالمي قوائم وطنية أولاً، وأن تسجل عناصرها الثقافية فيها.
وبناءً على القرار المذكور، أعدت وزارة الثقافة، لأول مرة، قائمة للمعالم التاريخية والثقافية تضم 3413 معلماً تاريخياً (أثرياً ومعمارياً ونصباً تذكارياً)، وقائمة للتراث الثقافي غير المادي تضم 538 عنصراً من عناصر الثقافة الوطنية غير المادية موزعة على سبعة مجالات، كما تم نشر هذه القوائم في شكل كتب.
وفضلاً عن ذلك، وخلال خمسة وثلاثين عاماً من الاستقلال الوطني، تم التعريف بعدد من عناصر التراث الثقافي المادي وغير المادي للشعب الطاجيكي على المستوى العالمي، وأُدرجت في قوائم التراث الثقافي العالمي لليونسكو وقائمة التراث الثقافي لمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو).
وحتى اليوم، أُدرج من جمهورية طاجيكستان 21 معلماً من المعالم التاريخية والثقافية المادية في قوائم التراث الثقافي العالمي، ومن بينها: موقع سَرَزم، الذي يعود تاريخه وحضارته إلى 5500 عام؛ ومعالم طريق الحرير التاريخي العظيم، «ممر زرافشان–قره قوم»، وتشمل: بنجكنت القديمة، سنجارشاه، خواجة محمد باشارو، تل خمتوده، ونظام الري في توكسانكوريز، وقلاع قوم وموغ وحسوراك؛ وكذلك المعالم التاريخية والثقافية ضمن الترشيح المتسلسل «خوتل القديمة»، ومنها: ضريح مولانا تاج الدين، زالي زرد في ناحية دنغره، شهر تبه، خان طاهر، مدينة زالي زَر في ناحية فرخور، قلعة هلبوك، مدينة هلبوك، منظرتبه في ناحية وُسِع، الدير البوذي خشت تبه في ناحية خُوالنغ، والدير البوذي أجيّنه تبه في ناحية فخش، وهليورد في ناحية جلال الدين بلخي، وهي مدرجة ضمن القائمة الرئيسية للتراث الثقافي العالمي لليونسكو.
وفي عام 2022، وبمبادرة من خبيري وزارة الثقافة في جمهورية طاجيكستان، ميرزوشريف عبدالسلام زاده ومحمدجان نابوتوف، أُدرج 19 معلماً تاريخياً وثقافياً لجمهورية طاجيكستان في قائمة التراث الثقافي العالمي للإيسيسكو.
وفي الوقت نفسه، أُدرجت مجموعة من عناصر التراث الثقافي غير المادي، ومنها عيد نوروز، وفلك، وتشكان، وشش مقام، وأطلس وأدراس، وتربية دودة القز وصناعة الحرير، وحكايات خواجة نصر الدين، وفن التذهيب، في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لليونسكو.
كما تم تسجيل عدد من المناسبات والذكرى السنوية المهمة، فضلاً عن التراث المكتوب، في قوائم الاحتفالات وذاكرة العالم، وأصبحت هذه العناصر رموزاً للفخر الوطني وممثلاً للثقافة الوطنية على الساحة الدولية.
ومن دواعي الفخر والاعتزاز للشعب الطاجيكي أن جمهورية طاجيكستان تقيم اليوم علاقات ثقافية وثيقة مع أكثر من 50 دولة في العالم، وأنها عضو كامل العضوية في المنظمات الثقافية الدولية المرموقة، مثل اليونسكو والإيسيسكو. وإن التعاون الثقافي الدولي والعلاقات الدبلوماسية هما اللذان يتيحان توسيع آفاق التفاعل والتكامل الثقافي.
وقد أتاح الاستقلال الوطني لجمهورية طاجيكستان إمكانية قيام الوفود الثقافية الطاجيكية، بصورة دورية، بتنظيم أيام ثقافية وفعاليات ثقافية في مختلف دول العالم. وتتمثل ذروة هذه المبادرات في تنظيم أيام ثقافية لجمهورية طاجيكستان مرتين أو ثلاث مرات في مقر اليونسكو بمدينة باريس في الجمهورية الفرنسية، والتي شارك فيها رؤساء دول.
ومن الجدير بالإشارة بصورة خاصة أن السنوات الخمس الأخيرة شهدت اهتماماً ملحوظاً وجاداً من جانب الدولة والحكومة، ولا سيما رئيس جمهورية طاجيكستان، بقطاع التراث الثقافي، وهو اهتمام يمكن اعتباره أكثر وضوحاً مقارنة بأي فترة سابقة.
ذلك أن هذه الفترة شهدت عدداً من المبادرات التي تثبت ما سبق ذكره.
ففي عام 2021، وفي إطار التعاون مع اليونسكو، نُظم وأقيم في مدينة باريس بالجمهورية الفرنسية معرض دولي بعنوان «طاجيكستان، أرض الأنهار الذهبية». وقد شارك في هذا المعرض رئيسا طاجيكستان وفرنسا، إلى جانب القيادة العليا لمنظمة اليونسكو.
وفي عام 2024، أُقيم معرض دولي آخر وعدد من الفعاليات الثقافية في مقر الأمم المتحدة، بمشاركة رؤساء الدول وقيادة المنظمة. ومن أبرز مظاهر ذلك تقديم الهدية الرمزية التي أهداها زعيم الأمة، فخامة السيد إمام علي رحمان، إلى الأمين العام للأمم المتحدة السيد أنطونيو غوتيريش، والمتمثلة في نسخة من تاج ذي قرون مصنوع من الذهب، وهو ما عكس على المستوى العالمي عراقة الحضارة الطاجيكية وتاريخ التاج والملكية لدى الشعب الطاجيكي.
وخلال هذه الفترة، تم التخطيط لعشرات المعارض الثقافية الوطنية والدولية وتنظيمها داخل البلاد وخارجها، بمشاركة واسعة من المواطنين والضيوف الأجانب.
كما تم، بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين للاستقلال الوطني، التخطيط لإقامة معرض دولي في شهر أكتوبر عام 2026 في مدينة روما التاريخية في إيطاليا. ومن المقرر أن تُعرض خلاله أندر القطع والمقتنيات التاريخية في البلاد، إلى جانب تقديم برامج فنية وثقافية متنوعة من قبل ممثلي الأوساط الثقافية في جمهورية طاجيكستان.
وبناءً على ما سبق، يمكن الاستنتاج أن جمهورية طاجيكستان قد نجحت اليوم، من خلال اليونسكو، في تطوير دبلوماسيتها الثقافية وإدارتها بصورة جيدة ومهنية. وقد أتاحت المنابر التي توفرها هذه المنظمة لبلادنا فرصة التعريف بقيمها الحضارية والثقافية على المستوى العالمي.
ومن هذا المنطلق، فإن الحفاظ على علاقات بناءة وودية مع المنظمة، ودراسة السبل الكفيلة بتطوير هذا التعاون وتوسيعه بصورة أكبر، يمثلان أمراً بالغ الأهمية.