مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

زمان وأهل زمان: كانت البيوت ضيقة والقلوب تبوح بالحب..! بقلم علاء أبو إبراهيم

2026-07-22 06:55 AM  - 
زمان وأهل زمان: كانت البيوت ضيقة والقلوب تبوح بالحب..! بقلم علاء أبو إبراهيم
علاء أبو إبراهيم

هل أخذك الحنين يوماً إلى صوت ضحكاتٍ غابت ولم تعد تُسمع؟ أو جرفتك الذكرى إلى بيوتٍ طينية، كانت تضيق جدرانها لكنها تتسع بقلوب ساكنيها؟ 
إن عبارة "زمان وأهل زمان" ليست مجرد الكلمات المعتادة التي نرددها بكبرياء مجروح، بل هي تنهيدة روح تشتاق إلى زمن كان فيه الإنسان هو أثمن ما في الوجود. واليوم، نفتح دفاتر ذلك الزمن الجميل؛ لا لنبكي على أطلاله الدارسة، بل لنستنشق عبير قيمٍ كادت أن تختنق في عصرنا المادي المعاصر
في بيوتنا القديمة ، لم تكن الأيام أرقاماً تُطوى، بل عهوداً تُكتب بالود والوفاء. كانت البيوت حية، تتنفس بجدرانها التي شربت ضحكات الصغار ودعوات الكبار، حتى غدت زواياها ملاذاً يفيض بالسكينة؛ وذلك قبل أن تتحول جدران اليوم إلى مجرد كتل خرسانية صامتة، تفصل بين غرباء يعيشون تحت سقف واحد.
لم تكن البيوت " شققاً " باردة، بل " شرايين " تفيض بالحب ، وكان الأمان يسكن " العتبة " والترابط يصنع قلاعاً من البساطة
جمعت تلك البيوت الأجيال في تناغم تام قبل أن تفرقها وسائل التواصل الاجتماعي، كان الحوار الصادق والنظرة الحانية هما اللغة، حيث تجتمع العائلة حول مائدة واحدة يتشاركون تفاصيل يومهم، ويستمع الصغار لنصائح الكبار بحب. هذا التماسك كان يمنح الأبناء أماناً نفسياً، ويجعل الأسرة حائط الصد الأقوى ضد الأزمات
في شرفات زمان، كان "إبريق الشاي" يغزل بخاره ، وكانت نسمات الهواء تعبر محملة برائحة الياسمين الذكية. وفي الوقت ذاته، كان صوت الراديو ، ينبعث بوقار دافئ يذيع نشرة الأخبار، أو مسلسلاً إذاعياً شائقاً، او ملخص رياضي للإعلامي "فهمي عمر"، ليلتف الجميع في صمت مهيب يجمع القلوب على البساطه والرضا. 
لم نكن نعرف في ذلك الزمان "شاشات اللمس"، بل كنا نعرف كيف "نلمس القلوب" ونواسي النفوس وكان "الهاتف" وقوراً، يقف متكئاً على رف خشبي في صدر الصالة، لا يرن إلا لجمع شمل ، أو لسؤال عن غائب؛ عكس هاتف اليوم الذي رن في جيوبنا فأسكت رنين أرواحنا، 
اما خارج البيت، لم يكن الجار مجرد ساكنٍ بجوارك، بل أخاً وسنداً. كانت الأبواب مفتوحة، والزيارات عفوية بسلامة صدر ، والضحكات تعلو بلا كلفة ، وكل إنسان يلتمس لأخيه ألف عذر ، وتجلت أسمى معاني الإنسانية في تبادل أطباق الطعام؛ فالجار لم يكن جداراً، بل جاراً ومجيراً. إذا غاب تفقدوه، وإذا مرض عادوه. في الأفراح يتحول الحي لعرسٍ واحد، وفي الأتراح يتقاسمون الأحزان، فيغلقون التلفاز أربعين يوماً وتهدأ الضحكات أدباً ومواساة واليوم، تربع "الطبق اللاقط" فوق السطوح يستقبل آلاف الإشارات من وراء البحار، وعجزت القلوب عن استقبال إشارة واحدة من خلف الجدار!
كان حب الخير والنقاء محرك التعاملات، فظلت السكينة البيوت، وحلت البركة بالرزق؛ يعين القوي الضعيف، ويواسي الغني الفقير سراً صوناً لكرامته. وكان الوفاء بالعهد قانوناً غير مكتوب؛ فكلمة الرجل أقوى من عقود وأوراق رسمية، والتجارة تقوم على الثقة والأمانة، مما خلق مجتمعاً آمناً ينام مطمئناً. وكما قال الشاعر:
إِذا صَحَّتِ الضَمائِرُ بَانَ الوَفَاءُ ... وَأَشرَقَ الخَيرُ فِي كُلِّ سَاحٍ وَدَارِوَمَا حُسنُ الرِّجَالِ بِأَثْوَابٍ تَزِينُهُم ... بَل بِعَهدٍ يُصَانُ وَنَفْسٍ تَأْبَى الصَّغَارِ
إن عادات زمان لم تكن مجرد سلوكيات يومية عابرة، بل كانت دواءً لوعثاء السفر في قطار الحياة، وتفاصيل صغيرة صنعت بهجة بيوتنا التي تاهت مفاتيحها اليوم في زحام المدنية الصاخبة. والنبش في دفاتر "زمان وأهل زمان" ليس بكاءً عاجزاً على أطلال الماضي، ولا هروباً واهياً من واقعنا المعاصر، بل هو صرخة استيقاظٍ لضميرنا الإنساني المثقل ، لقد رحل أولئك الطيبون وجفت مآقيهم، لكن قيمهم الأصيلة لا تموت؛ فالوفاء بالعهد، ودفء الجيرة، ونقاء السريرة ليست حكراً على حقبة تاريخية مضت، بل هي خيارات حية نصنعها نحن بأيدينا اليوم.
 وفي النهاية عزيزى القارىء ، تظل حكاية ذلك الزمن الجميل مدرسة صامتة تلقننا درساً بليغاً: أن قيمة الإنسان لا تُقاس أبداً بما يملك في جيبه من فناء، بل بما يزرعه في قلوب الآخرين من طمأنينة وأمان ، فلنحمل جميعا مصابيح أولئك الراحلين، ولنضيء بها عتمة هذا العصر المادي، لتظل ذكراهم حية في تفاصيلنا، ويظل النقاء هو البوصلة الوحيدة التي تقود خطانا إلى أن نلقاهم عند رب كريم 
 

مساحة إعلانية