مساحة إعلانية
في المجال القانوني، لا تقل دقة المصطلحات أهمية عن فهم الأحكام ذاتها؛ فالمصطلح غير المنضبط قد يقود إلى نتائج مضللة ويؤسس لفهم مشوش ينعكس سلباً على التطبيق العملي للقانون. ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين «أشخاص الخصومة الجنائية» و«أطراف العلاقة الإجرائية»، وهو تمييز قد يبدو بديهياً لدى المتخصصين، إلا أن الخلط بين المفهومين لا يزال قائماً في العديد من النقاشات القانونية.
وفي هذا السياق، يؤكد المستشار الدكتور سامح عبدالله، رئيس محكمة الجنايات، أن العبارة الشائعة: «هذا هو العملي وليس النظري» لا تستقيم مع المنطق القانوني السليم؛ إذ إن التطبيق العملي ليس سوى التجسيد الحقيقي للقواعد والنظريات القانونية. فإذا بدا أن هناك تعارضاً بين النظرية والتطبيق، فإن الخلل يكون في الفهم أو في التطبيق ذاته، لا في العلاقة بينهما. فالقانون، في جوهره، علم يقوم على التلازم بين النظرية والممارسة، لا على التناقض بينهما.
أشخاص الخصومة الجنائية
وفي إطار هذا الفهم، يتعين تحديد المقصود بأشخاص الخصومة الجنائية تحديداً دقيقاً. فالخصومة الجنائية لا تقوم قانوناً إلا بثلاثة أشخاص رئيسيين هم:
النيابة العامة.
المتهم.
القاضي.
فهؤلاء وحدهم يشكلون الأركان الأساسية للخصومة الجنائية، وبدون أحدهم لا تنعقد الخصومة انعقاداً صحيحاً.
ويترتب على ذلك أن غياب أحد هؤلاء الأشخاص أو اختلال دوره القانوني قد يؤدي إلى بطلان الخصومة، باعتبار أن وجودهم يمثل ركناً جوهرياً يتعلق بالنظام العام. ويستند الفقه الجنائي في ذلك إلى أن الدولة، بعد أن احتكرت حق العقاب، لا يجوز لها ممارسته إلا من خلال خصومة جنائية مكتملة العناصر ومكفولة الضمانات القانونية.
حق الدفاع ركن أصيل
وعند الحديث عن المتهم بوصفه أحد أشخاص الخصومة الجنائية، يبرز الدفاع باعتباره ضمانة أساسية من ضمانات المحاكمة العادلة. ففي قضايا الجنايات لا تنعقد الخصومة الجنائية صحيحة إلا بحضور محامٍ عن المتهم، سواء كان موكلاً أو منتدباً من المحكمة، على أن يكون حضوره ومرافعته حضوراً حقيقياً وجاداً، لا شكلياً أو صورياً، إعمالاً للحق الدستوري في الدفاع.
أطراف العلاقة الإجرائية
وفي المقابل، يميز الفقه الجنائي بين أشخاص الخصومة الجنائية وبين ما يُعرف بأطراف العلاقة الإجرائية التبعية، وهم الأشخاص الذين يرتبط وجودهم بالدعوى أو تستعين بهم المحكمة دون أن يكونوا ركناً في انعقاد الخصومة ذاتها.
ومن هؤلاء:
المدعي بالحقوق المدنية.
المجني عليه.
الشهود.
الخبراء.
وغيرهم ممن ترى المحكمة ضرورة الاستماع إليهم أو الاستعانة بهم للوصول إلى الحقيقة وتحقيق الدعوى تحقيقاً كاملاً.
وقد استقر قضاء محكمة النقض على أن التحقيق الذي تجريه المحكمة بنفسها أثناء نظر الدعوى هو التحقيق النهائي الذي تُبنى عليه عقيدتها، ومن ثم فإن الاستعانة بالشهود أو الخبراء تظل وسيلة من وسائل كشف الحقيقة، وليست ركناً لازماً لقيام الخصومة الجنائية.
آثار التمييز بين المفهومين
وتتجلى الأهمية العملية لهذا التمييز في الآثار القانونية المترتبة عليه. فغياب أحد أشخاص الخصومة الجنائية يؤثر في صحة انعقادها وقد يترتب عليه بطلان الإجراءات، بينما لا يترتب على غياب أحد أطراف العلاقة الإجرائية الأثر ذاته.
فالمحكمة تستطيع أن تنعقد وتباشر نظر الدعوى في غياب المجني عليه، كما يمكنها نظر الدعوى دون وجود دعوى مدنية تابعة، بل إن الأصل أن تنظر الدعوى الجنائية مستقلة عن المطالبة المدنية. كذلك تملك المحكمة سلطة تقديرية في سماع الشهود أو الاستغناء عن بعضهم متى رأت أن أوراق الدعوى وعناصرها تكفي لتكوين عقيدتها.
سلامة المفاهيم أساس سلامة الأحكام
ومن ثم، فإن الخلط بين أشخاص الخصومة الجنائية وأطراف العلاقة الإجرائية يؤدي إلى اضطراب في فهم طبيعة الدعوى الجنائية وحدود الأدوار القانونية داخلها. فالأولى تمثل البنيان الأساسي الذي لا تقوم الخصومة بدونه، أما الثانية فتمثل عناصر ووسائل مساعدة تسهم في كشف الحقيقة، دون أن يتوقف على وجودها انعقاد الخصومة في ذاتها.
ولعل هذا التمييز، الذي تناوله الفقيه القانوني الراحل فتحي سرور في مؤلفه الوسيط في الإجراءات الجنائية، يظل من المسائل الجوهرية التي ينبغي استحضارها عند دراسة قانون الإجراءات الجنائية أو ممارسته. فسلامة المفاهيم هي المدخل الأول إلى سلامة الأحكام، ودقة المصطلحات هي الأساس الذي يُبنى عليه الفهم القانوني الصحيح.