مساحة إعلانية
بعيدًا عن التعاطف مع هذا الطرف أو ذاك، وبعيدًا عن صخب مواقع التواصل الاجتماعي، تطرح واقعة «فتاة البيرة» سؤالًا قانونيًا مهمًا: هل مجرد كون السائق معتدىً عليه – على فرض ثبوت ذلك – يمنحه الحق في تصوير الراكبة ونشر المقطع؟
الإجابة تقتضي أولًا التفرقة بين التصوير، والاحتفاظ بالتسجيل كدليل، ونشره وإتاحته للجمهور؛ فهذه الأفعال ليست بالضرورة في مركز قانوني واحد، ولكل منها ظروفه وأحكامه.
التصوير ليس هو النشر
الأصل أن الحياة الخاصة للأفراد تحظى بحماية قانونية، وقد تناول المشرع في المادة 309 مكررًا من قانون العقوبات صورًا من الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة، ومنها التقاط أو نقل صورة شخص في الأحوال التي حددها القانون.
ومن ثم، فإن بحث المسئولية الجنائية لا يتوقف عند مجرد القول: «تم التصوير»، وإنما يتطلب تحديد كيفية التصوير، وظروف الواقعة، ومكانها، والغرض منه، ومدى انطباق النص الجنائي على الواقعة محل البحث.
أما الاحتفاظ بالتسجيل لاستخدامه في إثبات واقعة أمام الشرطة أو النيابة أو المحكمة، فهو أمر يختلف قانونًا عن تحويل التسجيل إلى محتوى متداول على مواقع التواصل الاجتماعي.
الاحتفاظ بالدليل يختلف عن نشره
وهنا تظهر نقطة جوهرية؛ فهناك فارق بين شخص يحتفظ بتسجيل لواقعة يعتقد أنه تعرض خلالها لاعتداء، ويقدمه إلى جهات التحقيق باعتباره دليلًا على ما حدث، وبين شخص يقوم بنشر التسجيل على نطاق واسع وإتاحته للكافة.
فالنشر قد يثير مسائل قانونية مستقلة عن مجرد عملية التصوير، بحسب محتوى التسجيل وطريقة الحصول عليه وطريقة تداوله والآثار المترتبة عليه، فضلًا عن النصوص القانونية التي قد تنطبق على الواقعة بحسب تفاصيلها.
كون الشخص مجنيًا عليه لا يمنحه حصانة
إذا ثبت أن الراكبة اعتدت على السائق، فإن مسؤوليتها عن هذا الاعتداء تُبحث بصورة مستقلة.
وفي المقابل، إذا ثبت أن السائق ارتكب فعلًا آخر يشكل جريمة، سواء تعلق بالخصوصية أو بالنشر أو بأي فعل مؤثم قانونًا، فإن مسؤوليته عن هذا الفعل تُبحث أيضًا بصورة مستقلة.وبالتالي، لا يصح قانونًا أن نقول:«هو المعتدى عليه، إذن يحق له أن يفعل ما يشاء».وفي الوقت نفسه، لا يصح أن نقول:
«لقد قام بالتصوير، إذن هو مدان حتمًا».
فالمسؤولية الجنائية لا تُبنى على الانطباعات أو التعاطف، وإنما على توافر أركان الجريمة، وظروف ارتكابها، والقصد الجنائي حيث يلزم، والأدلة التي تثبتها.
المسألة الحقيقية أمام جهات التحقيق
الفارق هنا قد يكون دقيقًا بين توثيق واقعة اعتداء بقصد الاستعانة بالتسجيل في إثباتها أمام جهات التحقيق، وبين تحويل التسجيل إلى مادة للنشر والتداول والتشهير عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
ولذلك، فإن تقييم واقعة «فتاة البيرة» لا ينبغي أن يخضع لمنطق مواقع التواصل الاجتماعي: من المخطئ؟ ومن المصيب؟ ومن يستحق التعاطف؟
وإنما ينبغي أن يبدأ من السؤال القانوني الصحيح:
ما الفعل الذي ارتكبه كل طرف؟ وهل استجمع هذا الفعل أركان جريمة يعاقب عليها القانون؟
.
في تقديري، أهم ما تكشفه هذه الواقعة هو ضرورة الفصل بين حق الإنسان في إثبات ما تعرض له، وبين حقه في نشر كل ما قام بتصويره.
فالتسجيل الذي يقدم إلى جهة التحقيق قد تكون له وظيفة إثباتية، بينما نشر التسجيل على مواقع التواصل يفتح بابًا قانونيًاخ مختلفًا تمامًا.
والقاعدة التي ينبغي ألا تغيب وسط ضجيج السوشيال ميديا هي أن ثبوت اعتداء أحد الأطراف لا يمحو تلقائيًا أي مسؤولية قانونية مستقلة قد تثبت على الطرف الآخر.
فالعدالة الجنائية لا تختار فريقًا لتشجعه، ولا تحاكم الأشخاص وفقًا لما تقوله مواقع التواصل؛ إنما تحاسب كل شخص عن فعله، وفي حدود ما يثبت في حقه قانونًا.