مساحة إعلانية
في واقعة تثير القلق بشأن سلامة تطبيق القانون، صدر حكم أول درجة من المحكمة الجنائية بالحبس والغرامة، مع اشتراط سداد الغرامة المالية كقيد مسبق لقبول الاستئناف، كما حدث في حالة المحامي علي أيوب. هذا الشرط لا يثير فقط إشكالًا إجرائيًا، بل يصطدم مباشرةً مع نصوص الدستور وقانون الإجراءات الجنائية، ويقوض أحد أهم ضمانات العدالة.
ينص الدستور المصري في مادته (97) على أن التقاضي حق مصون ومكفول للكافة، وهو ما يجعل الاستئناف امتدادًا طبيعيًا لهذا الحق، وليس إجراءً استثنائيًا أو منحة تُقيد بشروط. كما تؤكد المادة (96) أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، بما يرسخ ضرورة إتاحة فرصة حقيقية للطعن على الأحكام قبل أن تستقر.
نصوص القانون لا شرط بسداد الغرامة
جاء قانون الإجراءات الجنائية واضحًا في تنظيم حق الاستئناف دون أن يربطه بأي التزام مالي، حيث:
المادة 402: تقرر حق المتهم في استئناف الأحكام الصادرة في الجنح.
المادة 406: تحدد ميعاد الاستئناف بعشرة أيام من تاريخ الحكم أو إعلانه.
المادة 407: تنظم إجراءات التقرير بالاستئناف أمام قلم الكتاب.
وجميعها نصوص حصرت شروط الاستئناف في الإطار الشكلي والإجرائي، دون أن تتضمن أي اشتراط لسداد الغرامة
خلط قانوني بين التنفيذ والطعن.
من المبادئ المستقرة أن الطعن يسبق التنفيذ، وأن الحكم لا يكتسب صفته النهائية إلا بعد استنفاد طرق الطعن. إلا أن اشتراط سداد الغرامة قبل نظر الاستئناف يمثل خلطًا واضحًا بين مرحلتي التنفيذ والطعن، ويجبر المتهم على تنفيذ حكم لم يصبح نهائيًا بعد.
فرض قيد غيرت منصوص عليه قانونًا يُعد خروجًا على مبدأ المشروعية، واعتداءً على اختصاص المشرع وحده في تنظيم الحقوق. فلا يجوز لأي جهة أن تضيف شرطًا جديدًا على حق أصيل كحق الاستئناف، خاصة إذا كان هذا الشرط يمس جوهر الحق ذاته.
هذا النهج يفتح الباب أمام نتائج خطيرة، من بينها:
تقييد حق التقاضي لغير القادرين
الضغط على المتهمين للتنازل عن حقهم في الطعن
إضعاف الثقة في عدالة الإجراءات
تحويل الحقوق الدستورية إلى امتيازات مشروطة
إن اشتراط سداد الغرامة لقبول الاستئناف لا يجد له سندًا في الدستور أو القانون، بل يمثل قيدًا باطلًا يتعين التصدي له. فالقضاء العادل لا يكتمل فقط بإصدار الأحكام، وإنما بضمان حرية الطعن عليها دون عوائق.
يبقى المبدأ واضحًا: الاستئناف حق… وليس امتيازًا. والعدالة لا تُباع ولا تُشترى.