مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

عندما تصبح الصناعة قضية أمن قومي بقلم شحاته زكريا

2026-07-02 04:29 PM  - 
عندما تصبح الصناعة قضية أمن قومي بقلم شحاته زكريا
شحاتة زكريا

في عالم لم تعد فيه الحروب تخاض بالسلاح وحده ولم تعد فيه القوة تقاس بعدد الجنود أو حجم الترسانات العسكرية فقط برزت حقيقة جديدة فرضتها التحولات الدولية والأزمات المتلاحقة وهي أن الصناعة لم تعد مجرد نشاط اقتصادي يهدف إلي زيادة الإنتاج أو تحقيق الأرباح بل أصبحت إحدي الركائز الأساسية للأمن القومي للدول.
لقد كشفت السنوات الأخيرة بما حملته من أزمات صحية واقتصادية وجيوسياسية عن هشاشة الاعتماد المفرط علي الخارج. فالدول التي كانت تعتقد أن الأسواق العالمية قادرة دائما علي تلبية احتياجاتها وجدت نفسها في لحظات حرجة عاجزة عن توفير مستلزمات أساسية لمواطنيها بدءا من الغذاء والدواء مرورا بالتكنولوجيا والمكونات الصناعية وصولا إلي احتياجات الطاقة والنقل.. وهنا برز سؤال بالغ الأهمية: ماذا يحدث إذا توقفت سلاسل الإمداد العالمية؟ وماذا لو تحولت المصالح الاقتصادية إلي أدوات ضغط سياسية؟ وكيف يمكن لدولة أن تحافظ علي استقلال قرارها إذا كانت تعتمد علي الآخرين في توفير احتياجاتها الأساسية؟ الإجابة جاءت واضحة من واقع التجارب الدولية فالدولة التي لا تنتج ما تستطيع إنتاجه تظل عرضة للتقلبات والأزمات بينما الدولة التي تمتلك قاعدة صناعية قوية تمتلك في الوقت نفسه قدرا أكبر من الاستقلال والقدرة علي الصمود.. الصناعة ليست مصانع من الأسمنت والحديد فحسب بل هي منظومة متكاملة تبدأ من التعليم والبحث العلمي وتمر بالتكنولوجيا والابتكار وتنتهي بمنتج قادر علي المنافسة في الأسواق المحلية والعالمية. ولهذا فإن الاستثمار في الصناعة هو استثمار في المستقبل وفي قدرة الدولة علي حماية مصالحها وتحقيق تطلعات شعبها.. لقد أدركت الدول الكبري هذه الحقيقة مبكرا. فحين تتعرض مصالحها للخطر لا تتردد في تقديم الدعم لصناعاتها الوطنية ولا تتعامل مع الصناعة باعتبارها مجرد ملف اقتصادي بل باعتبارها قضية استراتيجية ترتبط مباشرة بمكانتها الدولية وقدرتها علي التأثير.. ولعل أبرز الدروس التي قدمها العالم خلال السنوات الماضية أن امتلاك التكنولوجيا لا يقل أهمية عن امتلاك الموارد الطبيعية وأن من يملك القدرة علي التصنيع يملك جزءا كبيرا من مفاتيح القوة والنفوذ. فالمعركة الحقيقية لم تعد علي امتلاك المواد الخام فقط بل علي القدرة علي تحويلها إلي منتجات ذات قيمة مضافة وعلي امتلاك المعرفة والخبرة والابتكار.. وفي الحالة المصرية تبدو الصناعة خيارا لا بديل عنه. فمصر بما تمتلكه من موقع جغرافي فريد وسوق كبيرة وموارد بشرية هائلة قادرة علي أن تتحول إلي مركز صناعي إقليمي ودولي إذا ما استمرت جهود التحديث والتطوير وتعميق التصنيع المحلي.
إن كل مصنع جديد لا يوفر فرص عمل فقط بل يضيف لبنة جديدة في بناء قوة الدولة. وكل منتج محلي ينجح في منافسة المستورد يمثل خطوة نحو تعزيز الاستقلال الاقتصادي. وكل استثمار في التكنولوجيا والتدريب والبحث العلمي هو استثمار مباشر في الأمن القومي.. ولأن الأمن القومي مفهوم شامل فإنه لا يقتصر علي حماية الحدود بل يمتد إلي حماية الاقتصاد وتأمين الاحتياجات الأساسية للمواطنين وضمان قدرة الدولة علي مواجهة الأزمات والتحديات. ومن هنا تصبح الصناعة خط الدفاع الأول ضد كثير من المخاطر التي قد تواجه الدول في عالم سريع التغير.. إن الأمم لا تبني بالشعارات بل بالإنتاج. ولا تقاس قوتها بما تستهلك بل بما تصنع. فالمصانع التي تدور عجلاتها كل صباح ليست مجرد منشآت اقتصادية بل هي قلاع وطنية تحرس المستقبل وتمنح الأوطان القدرة علي الوقوف بثبات وسط العواصف.. وفي زمن تتغير فيه موازين القوي بوتيرة متسارعة لم يعد السؤال: هل نحتاج إلي الصناعة؟ بل أصبح السؤال: هل نستطيع الاستغناء عنها؟ والإجابة يعرفها كل من يقرأ خريطة العالم الجديدة فالصناعة اليوم ليست خيارًا تنمويًا فقط بل أصبحت بالفعل قضية أمن قومي وشرطا أساسيا من شروط البقاء والتقدم في القرن الحادي والعشرين. 

مساحة إعلانية