مساحة إعلانية
إن المحلل السيسيولوجي عند تحليله ووصفه لإحدى الظواهر الاجتماعية عليه أن يضع في الاعتبار كافة العوامل المؤثرة في الظاهرة الاجتماعية والأسباب التي أوجدتها، وواحدة من أصعب الظواهر تحليلا هي دراسة الذات "الهوية" والآخر لا سيما عندما تكون الذات نشأت في مجتمع ذي غالبية مسلمة ولكنها تحمل معتقدات وقيم وأيديولوجيا متنوعة مخالفة للثقافة الكلية للمجتمع؛ ففي هذه الحالة علينا أن نكون أكثر حذرا في التحليل.
والرؤية السوسيولوجية التقليدية لتطور الفكر الاجتماعي تبدأ من التفكير اللاهوتي إلي الميتافيزيقي حتى المرحلة المعاصرة التي يطلق عليها "الوضعية" أو التفكير العقلاني والمرحلة الأخيرة في المرحلة التي بنيت عليها كافة الرؤى والتصورات اللاحقة للمجتمعات ومنها خرجت كافة الأيديولوجيات الفكرية الماركسية بما فيها النازية والعضوية، وأيضا النظريات الاجتماعية الوظيفية؛ ومن هذا المنظور فإن الصراعات الأيديولوجية إبان حقبة القرن العشرين هو الصراع بين الفكر الشيوعي من ناحية، والليبرالي الرأس مالي من ناحية أخرى، والذي انتهى بانتصار الليبرالية أو الحضارة الغربية على الفكر الشيوعي متمثلا في انهيار الاتحاد السوفيتي_ بمعنى انتصار الفرد على المجتمع_ و مع نهاية الأيديولوجيات كما اعتقد "فوكو ياما" أو غيره من علماء المؤمنين بتفوق الحضارة الغربية على غيرها من الحضارات، بإنه لايوجد مايواجه العالم الغربي الآن سوى" الإسلام"، ويتفق مع "فوكويما " في هذا الطرح عالم الاجتماع الفرنسي "ألن تورين"؛ وبناء عليه فإن الرؤية الغربية للإسلام تمثل العقبة الوحيدة أمام تحقيق أهدافه الرأسمالية والاستهلاكية و تحول المجتمعات إلي الديمقراطية.
هذه الرؤية كانت لها تأثيرات أيضا في العلاقات الدولية في صراع الحضارات عند "هينجتون"، وهذه الرؤى تعد من أحد العوامل التي أدت إلي تنامي ظاهرة الإسلاموفوبيا ، وهي تعني الخوف من الآخر متمثلا في الإسلام؛ وتنعكس هذه الرؤية في خطابات الساسة الغربيين الشعبويين لاسيما رؤية الرئيس الأمريكي للدول العربية وإسرائيل، والتي لم يراعي فيها الخصوصية الثقافية باعتباره أن العرب لديهم مساحة شاسعة من الأراضي وأن إسرائيل دولة صغيره، وهو لايختلف عن النظرة الغربية التي تنظر إلى إسرائيل أمه صغيرة مستضعفة تقع في محيط إسلامي عربي واسع ؛ هذه النظرة العنصرية السطحية التي تعبر عن فكر الرجل الغربي التمركز حول ذاته.
وعلى الرغم من هذه الرؤية المتمركزة حول الثقافة الغربية كثقافة أعلى من باقي الثقافات ، فإنه يوجد مايعارضها من أصحاب مذهب التعددية الثقافية، وتجلى هذا في الحرب الأخيرة على قطاع غزة، متمثلا في ارتفاع الأصوات التي تدعو إلي وقف العدوان ومساندة شعبا حاملا لهوية ثقافية لها خصوصيتها .
النظرة الغربية للإسلام والمسلمين، هي نظرة كلية شاملة لثقافة متكاملة لإمة لها نظام ديني ينظم كافة أمور حياة المسلمين وسلوكهم ومعتقداتهم ، ويجعل لهم دورا اجتماعيا ودوليا وسياسيا؛ وبل تمتد هذه النظرة إلي تصنيف الإسلام بناء على مفهوم غربي للإسلام بطريقة تخدم مصالحه فقط متمثلا في تصنيف الإسلام إلى:" راديكالي أو معتدل" دون الفهم بشكل عميق للإسلام أو الأسباب التي أدت إلي ظهور جماعات المتطرفة التي هو سببا في إنشاءها من الناحية السوسيولوجية.
وفي المقابل فإننا نحن العرب والمسلمين ننظر إلي أنفسنا لكوننا أمة لها خصوصياتها الثقافية متعددة المذاهب، وأكبر مذهبين هما السني والشيعي ، ويحتوي كل منهما على مدارس مختلفة، ولكل منهم مفهومات وتفسيرات عن الدين تختلف عن الأخرى،_ هذه المفهومات من الناحية السوسيولوجية يوجد بينها قيم ثقافية مشتركة، على العكس من الحاملين لهذه القيم أنفسهم_ وهذه التفسيرات المختلفة قد تصل من حيز الفكر إلي الفعل متمثلا في الإقصاء الاجتماعي أو العنف تجاه الآخر. وعندما ننظر بنظرة واقعية إلي أصحاب المذهب الأكثر اعتناقا في عالمنا الإسلامي فإنهم يقاتلون بعضهم البعض على الاختلافات في بعض المفاهيم والاجتهادات وبعض الممارسات الطقسية الشعائرية والتصورات الدينية، التي قد يراها البعض هي تمس العقيدة وبناء عليه فإن المسلم يمر بثلاث مراحل " المسلم الجاهل ثم المبتدع ثم المرتد".
إن الشعائر الإسلامية تمارس بشكل جمعي، وهذا يعني أن الأحكام القيمية التي نصدرها على شخص ما، يعني الحكم على جماعته أو مجتمعه. ولربما أن بعض رؤيتنا للدين وتفسيرنا له واجتهادتنا فيه، تحمل بعض التحيزات وقد تكون مشوهة وخاطئة، فإذا كنت على حق والآخر على باطل وبلغ الحكم عليه بالتبديع والتجسيم أو التطرف، وتحول هذا الصراع من صراع فكري إلى صراع اجتماعي سواء بالوصم أو السخرية أو حتى العنف، فإننا نتحول إلي صراع إيديولوجي حتى لو جدنا مايبرره دينيا، فالصراع من أجل إثبات أحقية المذهب أو المدرسة عملا بعلاقة العهد بين المريد لشيخه بخلاف مفهوم المجتمع في الإسلام.
أرى أن فصلنا بين الإسلام الذي نمارسه ونعتقد فيه وبين عاداتنا وتقاليدنا العربية التي تشكل الثقافة العربية وموجودة قبل الإسلام، ومع ظهور الإسلام فإن أعضاء المجتمع حاملين لمزيج بين هويتين " عربية " بثقافتها وقيمها وبين" الإسلام" بشرائعه وطقوسه وقيمه، وبدون ذكر بعض الأمثلة في مفهوم قيم الرجولة ، والشجاعة ، والفروسية ، وحب الآخر، والدفاع والوقوف مع الحق، والصدق، والمعلقات العربية والقصائد التي كانت تتحدث عن القيم والأخلاق العربية والفروسية، ولذلك كان حديث النبي صلى الله عليه وسلم "خيركم في الإسلام خيركم في الجاهلية" دليلا على دمج الهويتين العربية والاسلامية ، فالاسلام جاء مؤكدا ونابعا من الثقافة العربية.
وتدعم الثقافة الشعبية العربية هذه الرؤية عن الآخر بتعبير، " اخوال" أو" أبناء العمومة"، والمعنى الظاهر للنسب هو نوع من المجاملة لكن المعنى الكامن يعني إضفاء الشرعية في الحق المتبادل بين الأنا والآخر في( الدفاع والتعايش السلمي المشترك) يؤدي إلي تماسك المجتمع.
الأفكار الدينية عن الآخر تؤثر فيها الأيديولوجية القومية ويتجلى هذا في عدم التطرق إلي حديث عن القضايا الخلافية بين المذاهب خوفا من الصراع الداخلي؛ لكنه لم يتوانى في تأجيج الصراع المذهبي أو الديني في بلدا آخر قط، مادام الصراع بعيدا عنه، ووطنه.
الصراع الاجتماعي القائم على عقائد وحقد هو الصراع الأشد والأكثر استمراراً، لأن بناء الهوية الاجتماعية والقومية التي تغذيها الأحداث التاريخية سواء كانت أحداث مثل: الانتصارات أو الهزائم أو حتى المجازر ينتج عنها أما عقدة اضطهاد " اليهود مقابل النازيين"، والإحساس بالمظلومية تجاه الآخر مثل:" الشيعة مقابل السنة"، أو الإحساس بالافتخار وقد تؤدي إلي مركزية ثقافية ترفض الآخر أو تقلل من شأنه مثل:" الغرب مقابل الإسلام"، فكثير من الأديان الأخرى تعيد إحياء ذكرى بعض القديسين الذين يتصورون أنهم قد قتلوا على يد المسلمين وهذا يؤدي إلي استمرار الصراع مع الآخر واستمرار ثقافة " المسيحية مقابل الإسلام" .
وخلاصة القول إنه كلما زادت الصراعات الثقافية التي تمس الدين، واللغة والعرق ، المدعومة بالمخيلات سوسيولوجية التي تغذيها الذاكرة الجماعية تؤدي إلي الانفصال ، وبناء عليه نحن بحاجة إلي الاعتراف المتبادل بيننا وبين الآخر، ومن ثم الحوار الفعال ، والنقد البناء، ومن ثم إعادة تعريف أنفسنا والعالم لنصبح مجتمعات أكثر أمانًا و استقراراً.
طارق مصطفى القزق
ماجستير في مجتمعات وثقافات البحر المتوسط