مساحة إعلانية
"الميتا- شعر": الشعر الذي يتأمل الإبداع
قراءة في ديوان "أنا اسمي مش فيهم" للشاعر: محمود السانوسي
يمثل ديوان "أنا اسمي مش فيهم" تجربة شعرية بالعامية المصرية، تقوم خصوصيتها الأولى على علاقة الشاعر بالآخر؛ فالشاعر لا يجعل ذاته وحدها مركزًا للقصيدة، وإنما يفتح نصوصه لأصدقاء ومبدعين وتجارب إنسانية رأى فيها ما يستحق الاحتفاء والتأمل. ويكشف الإهداء بوضوح عن هذا المنطلق، حين يوضح الشاعر أنه كتب في أصدقائه مناقشًا إبداعاتهم ومتقربًا من تجاربهم وذواتهم، متبنيا فكرة "الميتا- شعر": الشعر الذي يتأمل الإبداع، وأنه اضطر إلى حذف بعض النصوص بسبب حجم الديوان.
ومن هنا يبدو عنوان الديوان "أنا اسمي مش فيهم" مفتاحًا تأويليًا أساسيًا؛ فهو يوحي أولًا بالغياب، لكن الإهداء يعيد تعريف هذا الغياب: فالشاعر قد لا يكون موضوعًا في قصائد الآخرين، لكنه حاضر في فعل الكتابة عنهم، حاضر بوصفه صديقًا وقارئًا ومحبًا ومبدعًا. وهكذا تتحول المفارقة إلى معنى جمالي وأخلاقي: يغيب اسم الشاعر عن الصورة، لكنه يحضر في كل تفاصيلها.
ملامح الديوان
أولًا: شعرية الاحتفاء بالآخر
من أبرز ملامح الديوان أن الآخر يتحول من مجرد اسم إلى شخصية شعرية؛ فقصائد مثل: "دندرمة" حمدي حسين و"زعقة" الشيخ محمود و"عربية" أحمد أبو خنيجر و"عين" أحمد فخري الأسواني "وقطار" جمال عدوي و"مراية" ياسر سليمان، وغيرهم، تحمل أسماء مبدعين، لكنها لا تكتفي بذكرهم، وإنما تعيد بناء حضورهم من خلال رؤية الشاعر لهم.
ففي "دندرمة" يتحول الاحتفاء بالشخص إلى رسم لروحه، يقول:
"فيك ابتسامة طفل ترضي الأمل"
"روحك مدينة لكل طالب وصال"
فالروح هنا لا تُوصف وصفًا مباشرًا، وإنما تتحول إلى مدينة مفتوحة تستقبل الباحثين عن الوصال. وهنا تتجلى إحدى خصائص البورتريه الشعري في الديوان: الشاعر لا يرسم الملامح الخارجية بقدر ما يرسم القيمة الإنسانية للشخص المحتفى به.
وفي "عصافير" يتحول الاحتفاء بالشخص إلى الغوص في إنسانيته، يقول:
"ريحة قلبك في قصايدك
فيها الإنسان اللي بجد"
والأهم أن الاحتفاء بالآخر يكشف في الوقت نفسه عن شخصية الشاعر نفسه؛ فهو يميل إلى الإنسان النقي، وإلى الرحمة والصدق والإبداع والحلم، وبذلك يصبح الآخر مرآة تكشف منظومة القيم التي يؤمن بها الشاعر.
ثانيًا: الذات بين الحنين والغياب
على الرغم من انشغال الديوان بالآخرين، فإن الذات الشاعرة تعود بقوة في لحظات الحنين والفراق والغياب. واللافت أن الحنين لا يبقى إحساسًا داخليًا، بل يتحول إلى طاقة مولدة للكتابة:
"يا حنين القلب
قرب لي القلم
أكتب ولو آخر نغم"
إن تتابع (الحنين ـ القلم ـ النغم) يكشف عن علاقة جوهرية في التجربة: الشعور يتحول إلى كتابة، والكتابة تتحول إلى موسيقى. وكأن القصيدة تستطيع أن تستعيد باللغة ما تعجز الحياة عن استعادته.
وهنا لا يصبح الغياب نهاية، وإنما يصبح محفزًا على استدعاء الغائب بالكلمة؛ فالشاعر يكتب لأنه يفتقد، ويستدعي الذاكرة لأن الحاضر لا يكفيه.
ثالثًا: جدلية الألم والأمل
لا يقدم الشاعر الألم بوصفه مصيرًا نهائيًا، وإنما يضعه دائمًا في مواجهة احتمال الخروج منه. لذلك تتجاور في الديوان مفردات الحزن والخوف والعتمة مع النور والرحمة والحلم والفرح.
وفي أحد المقاطع تتجسد هذه الرؤية في حركة القصيدة من الألم إلى الانفتاح:
"والموجة متجلطة مش عايزة تتحرك"
"آدي السفينة اللي فيها كلمتك بالحب"
فالموجة الساكنة تمثل حالة التعثر، بينما تأتي السفينة محملة بالكلمة والحب، لتصبح الحركة الشعرية نفسها نوعًا من المقاومة.
"مجلود بالهمّ
مسلوب بس رفضت تطير للسَما بالمن
وقبلت توزع صوتك وبشارتك للأوغاد"
ومن هنا يمكن القول إن الشاعر لا يمارس شعرنة الألم لمجرد الشكوى، وإنما يحوله إلى طاقة للمقاومة واستعادة التوازن؛ فحتى حين يكتب الحزن، تظل القصيدة تبحث عن نافذة للضوء.
رابعًا: المكان والطبيعة بوصفهما ذاكرة وحالة نفسية
لا يظهر المكان في الديوان بوصفه خلفية محايدة، بل يدخل في تكوين التجربة نفسها. ويبرز الجنوب خصوصًا بوصفه ذاكرة وانتماءً ومخزونًا شعوريًا، لا مجرد موقع جغرافي.
ومن أكثر العبارات دلالة:
"منحوتة في حنين الجنوب"
فالجنوب هنا ليس مكانًا يُرى من الخارج، وإنما شيء منحوت داخل الحنين؛ أي أنه أصبح جزءًا من الوجدان والهوية.
وتتسع دائرة المكان لتشمل الجبل والبحر والموج والشاطئ والصحراء والنهر، غير أن الطبيعة عند الشاعر نادرًا ما تكون مجرد وصف؛ فالموج يتحول إلى اضطراب، والسفينة إلى رحلة، والصحراء إلى اختبار، والضوء إلى إمكانية للخلاص.
"تيجي الأغاني من جبل هزه الوجع"
"تعبك مجدك وضفرته مدينة
سكتت أوجاعك وجمالك نيلك"
ولهذا يمكن القول إن الطبيعة في الديوان تعمل بوصفها لغة ثانية للذات؛ فالإنسان لا يصف الطبيعة بقدر ما يعيد قراءة نفسه من خلالها.
خامسًا: الصورة الشعرية وتحويل المجرد إلى محسوس
من السمات الفنية الواضحة قدرة الشاعر على تجسيد المعاني المجردة وتحويلها إلى أشياء وكائنات وحركات. فالروح تصبح مدينة، والقصيدة تصبح كائنًا يتحرك، والكلمة تصبح وسيلة للسفر، والموج يصبح حالة نفسية.
وفي مقطع لافت يقول:
"آدي قصايدك حرة بعد الأسر
فاتح عينيها ورِجلها رمّاحة
يمكن تجبلك رقصة الخيّالة
وتزف عينك ع الونس والنور"
هنا تتحول القصائد إلى كائنات كانت أسيرة ثم تحررت، وأصبح لديها القدرة على الرقص كما الخيالة؛ وهي صور تكشف عن أن الكتابة عند الشاعر ليست حالة سكون، وإنما فعل حركة وانطلاق.
وتزداد قيمة الصورة حين تتسع من استعارة منفردة إلى صورة ممتدة، كما في صورة الرمح (رماحة) والزف (وتزف عينك) والونس والنور؛ فالشاعر أحيانًا لا يكتفي بإضاءة المعنى بصورة واحدة، وإنما يبني حوله شبكة من الصور المتصلة.
سادسًا: العامية بين اليومي والشعري
تكمن قيمة اللغة في الديوان في أنها لا تتعامل مع العامية المصرية باعتبارها مجرد لغة سهلة أو قريبة من الكلام، وإنما باعتبارها مادة شعرية قابلة للتشكيل.
ففي النص الواحد نجد المفردة اليومية إلى جوار المفردة الثقافية أو الروحية أو الرمزية، ونجد التعبير المألوف ينتقل فجأة إلى منطقة الصورة والتأمل.
ولذلك فإن عامية الشاعر هي عامية محمّلة بالذاكرة المصرية؛ تستفيد من حرارة الكلام اليومي، لكنها لا تتوقف عنده. ومن أمثلة ذلك قوله:
"وتغمز برمش الكلمة"
فالكلمة هنا لا تُستخدم فقط، بل تُشخّص وتكتسب "رمشًا" وتصبح قادرة على الغمز؛ أي أن اللغة اليومية تتحول إلى مادة تخييلية.
وهذه القدرة على الجمع بين البساطة والإيحاء من أهم عناصر جاذبية الديوان؛ إذ يستطيع المتلقي الاقتراب من العبارة بسهولة، ثم يجد وراءها مساحة أوسع للتأويل.
سابعًا: الكتابة عن الكتابة والوعي بالإبداع
من أهم الخيوط التي تربط نصوص الديوان أن الشاعر لا يكتب الشعر فقط، بل يتأمل فعل الكتابة نفسه. فالقلم والكلمة والقصيدة والخيال والكتاب والإبداع مفردات تتكرر داخل التجربة، وكأن الشاعر يراقب عملية الخلق الشعري وهو يمارسها.
ويبلغ هذا الوعي ذروته في قوله:
"قرب لي القلم
أكتب ولو آخر نغم"
ثم في قوله:
"آدي قصايدك حرة بعد الأسر"
فالقصيدة هنا ليست نتيجة نهائية فحسب، وإنما كائن له حرية وحركة. كما أن الإهداء نفسه يكشف وعي الشاعر بعلاقته بالمبدعين؛ فهو يصرح بأنه كتب فيهم مناقشًا لإبداعاتهم ومتقربًا من تجاربهم.
ومن ثم يمكن النظر إلى الديوان باعتباره في جانب منه ديوانًا يكتب الشعراء والمبدعين، وفي جانب آخر ديوانًا يتأمل فعل الكتابة ذاته.
ثامنًا: الروح الصوفية والتراث الثقافي
يحضر البعد الصوفي في عدد من النصوص، ولا سيما "زعقة الشيخ محمود"، حيث تتحول الشخصية إلى نموذج للنقاء والصفاء والرحمة والوصال.
يقول:
"الصوفي زي الصفا وعمره متعكر
زي السما بعد المطر طاهر"
فالاستدعاء الصوفي هنا ليس مجرد زخرفة تراثية؛ إنه يحمل قيمة أخلاقية وجمالية في آن واحد، إذ يقابل الشاعر بين الصفاء الروحي والزيف والمكر والظلام.
ومن خلال هذا الحضور تتجاور الذاكرة الدينية والصوفية مع الحياة المصرية اليومية، فتكتسب العامية عمقًا ثقافيًا يتجاوز حدود الكلام العابر.
تاسعًا: القصصية والمشهد والمفارقة
تتحرك بعض قصائد الديوان بطريقة تقترب من البناء القصصي؛ فهناك مشهد، وشخصيات، وحركة، وحوار ضمني أو صريح، وانتقال من حالة إلى أخرى. ويبدو هذا واضحًا في بعض النصوص التي لا تكتفي بلحظة شعورية واحدة، وإنما تبني مسارًا داخليًا للتجربة.
وفي "عربية أحمد أبو خنيجر" يبدأ النص من الخوف والموت والمصير:
الواحد لو راكب أحزانه مش حيخاف
أكتر من الخوف اللي أنا خوّفته"
"والعربية بتاكل زي التكشيرة أنياب الأرض
عمّالة تقزقز فطة روحي وبوحي
وأنا مش قادر أضحك ولا أعيّط
مزنوق في الخوف والحيرة"
ثم يتسع المشهد من الذات إلى أسئلة أوسع تتصل بالإنسان والواقع.
"ساعتها يفضل إيه من بوحك الهمجي
وانت ما بين طريقين"
وتأتي المفارقة والسخرية أحيانًا لتخفيف ثقل التجربة، لا باعتبارهما هدفًا مستقلًا، وإنما بوصفهما وسيلة لرؤية الواقع من زاوية أكثر حدة ووعيًا.
السمات الجمالية الجامعة
إذا أردنا أن نختصر تجربة الديوان في مجموعة محدودة من السمات، أمكن أن نقول إنه يقوم على: صدق التجربة ودفء الشعور؛ مركزية الإنسان؛ الاحتفاء بالآخر؛ التداخل بين الذاتي والموضوعي؛ قدرة الصورة على تجسيد المجرد؛ ثراء العامية المصرية؛ حضور التراث والروح الصوفية؛ والوعي بفعل الكتابة.
وتتضافر هذه السمات لتمنح الديوان صوتًا إنسانيًا خاصًا؛ فالشاعر لا ينغلق داخل «الأنا»، بل ينتقل منها إلى الآخر، ومن الآخر إلى الجماعة، ومن التجربة الشخصية إلى أسئلة الإنسان والذاكرة والمكان والكتابة.
ملاحظات نقدية
القراءة المنصفة لا تكتفي بالاحتفاء، وإنما تشير أيضًا إلى بعض الملاحظات الفنية.
فبعض القصائد تبدو أكثر إحكامًا وتكثيفًا من غيرها (صور أحمد سلطان، مراية ياسر سليمان، بيبان سمير طلب)، بينما تطول مساحة البوح أحيانًا وتتوالى الصور دون أن تكون جميعها بالقوة نفسها (قطار جمال عدوي)، كما أن الرغبة في الاحتفاء بالشخصيات قد تدفع في بعض المواضع إلى المباشرة في تعداد الصفات (ألعاب محمد علاء)، في حين تكون القصيدة أكثر قوة حين تترك للصورة والمشهد مهمة الكشف عن الشخصية.
كذلك تحتاج بعض النصوص إلى مزيد من الاقتصاد والتشذيب (زعقة الشيخ محمود)؛ لأن العامية حين تقترب من الكلام اليومي تحتاج إلى حساسية فنية مضاعفة حتى تظل المسافة واضحة بين التعبير الجميل والتعبير الشعري.
كما أن هناك بعض المواضع بها بعض الكسور الوزنية مثل:
* "دندرمة قلبك دا اللي كله نعيم
فيك البراح حرية وقناعة
والكنز عندك اكتمال اليقين
شوف البشر مهزوزة من غفلة"
غير أن هذه الملاحظات لا تنتقص من قيمة التجربة، بل تشير إلى إمكانات يمكن أن تزداد توهجًا كلما اتجه الشاعر إلى التكثيف والحذف والإبقاء على أكثر عناصر الصورة واللغة قدرة على الإيحاء.
خاتمة
يمكن النظر إلى ديوان "أنا اسمي مش فيهم" بوصفه ديوانًا ينطلق من العامية المصرية، لكنه يتجاوز التعبير اليومي إلى بناء عالم شعري تتشابك فيه الذات والآخر، والحنين والغياب، والمكان والذاكرة، والألم والأمل، والإنسان والكلمة.
وأهم ما يمنحه خصوصيته أن الشاعر جعل من الاحتفاء بالآخر فعلًا شعريًا؛ كتب أصدقاءه ومبدعيه، لكنه حين كتبهم كشف عن نفسه أيضًا، لأن كل شخصية احتفى بها كانت تكشف قيمة يؤمن بها، وكل تجربة أعاد إنتاجها شعريًا كانت تكشف زاوية من رؤيته للعالم.
وهنا تعود بنا القراءة إلى عنوان الديوان: "أنا اسمي مش فيهم".
فالشاعر يقول إن اسمه ليس بينهم، لكنه في الحقيقة حاضرا فيهم جميعًا؛ حاضرا في اختياره لهم، وفي نظرته إليهم، وفي اللغة التي أعاد بها خلقهم شعريًا.
ولذلك يمكن أن نقول في نهاية هذه القراءة:
إن الشاعر في "أنا اسمي مش فيهم" لم يكتب الآخرين ليغيب عن قصيدته، وإنما كتبهم لكي يحضر من خلالهم؛ كتبهم فكتب نفسه، واحتفى بهم فانكشفت رؤيته، وغاب اسمه عن الصورة ليصبح حاضرًا في تفاصيلها.
وهنا تكمن أجمل مفارقات الديوان وأعمقها: أن "الأنا" التي أعلنت غيابها في العنوان، كانت أكثر الأناوات حضورًا في الديوان؛ لأنها اختارت أن ترى ذاتها في الآخرين، وأن تجعل من الشعر مساحة للحب والوفاء والإنسانية.

