مساحة إعلانية
كتب- سيد طنطاوي
أسوأ ما صنعت السوشيال ميديا أنها زيفت حياتنا، أو بالأحرى كما قال الشاعر الكبير سيد حجاب في كلماته التي غناها الفنان محمد الحلو كتتر لمسلسل «ليالى الحلمية»: «طب ليه رمانا السيف على الزيف».
وللأسف الزيف انتصر علي السيف، بفعل السوشيال ميديا التي جلها إن لم يكن كلها انتصر للزيف علي السيف، وأراد الكل في صورة مثالية، ولست مُبالغاً حين أقول إن هذا الجل أو الكل قد أفقدنا إنسانيتنا.
لا تتسرع وتقول إنني أتجنى أو أفتري، وأريدك قبل أن تصدر حكمك المشدد عليّ أن تسأل نفسك سؤالاً أليست هذه السوشيال ميديا التي قسمتنا إلى قديسين وفجرة، وأنستنا أننا بشر نصيب ونخطئ؟
حصرتنا السوشيال ميديا في لونين فقط الأبيض والأسود وتجاهلت كل الألوان، فأصبحنا نُصنّف الناس بين ملائكة وشياطين، لا بشر خطائين وتوابين ومعتذرين أصبحنا قساة حتى على أنفسنا وتبلدت مشاعرنا، فبعدما كنا الشعب الذي لديه أسباب معدودة للحزن وألف سبب للفرح أصبحت زيارة الفرح لنا نادرة والحزن مقيم بيننا.
تلك المقدمة الطويلة كانت تمهيدًا ضروريًا للحديث عما فعلته السوشيال ميديا مع موقف عابر للفنان محمد صبحي حينما أظهرت الكاميرات الفنان وهو ينفعل على السائق الذي انتظره طويلًا فيما حاول السائق الركض خلف السيارة.
مع العلم أن الفنان كان منفعلًا فقط دون أن يخرج منه لفظ، أو أي شيء يجرح أحدًا.
فجأة تحولت السوشيال ميديا إلي محقق وقاضي وجلاد، كلها تُصدر حكماً نهائياً غير قابل للاستئناف أو النقض أن الفنان يتكبر ويعذب السائق ويفعل ويفعل كما حاول البعض اختلاق مواقف لم يحكها حتى من شهد الموقف وفي أقل من ساعات نُسجت حوارات تصلح سيناريوهات لأفلام ومسلسلات، من هذا الموقف العابر الذي يحدث كل يوم مع كثيرين.
وذهب البعض لإسقاط مقارنات بين موقف الفنان وأعماله وأين بابا ونيس وأخلاقه وهكذا تم جر حبل الأحكام.
الأمر في حقيقته أبسط من تعقيدات السوشيال ميديا وكل من سنوّا السكاكين هؤلاء ستجدهم في موقف أقل من ذلك أكثر انفعالًا، بل إن شباب منهم ينفعل على سائق أوبر إذا تأخر عليهم لدقائق.
وهؤلاء لم يعطوا أنفسهم دقيقة واحدة يُدركوا فيها أن الفنان محمد صبحي قارب على الثمانين عامًا وخرج مؤخرًا من وعكة صحية شديدة لا تتمناها لأعدائك وبالتالي فانفعالاته وغضبه له تبريره.
أما منّ ذهبوا لعقد المقارنات مع «ونيس» فرغم عدم معقولية الطرح باعتبار أنه إسقاط للدراما على الواقع فإننا نسرد لهم موقفًا حكاه الفنان محمد صبحي بنفسه حينما قال إنه بعد لقائه بعض الأطفال خرج ليركب سيارته فأشعل سيجارة فعاتبه أحد الأطفال قائلاً: «إيه يا بابا ونيس أنت بتشرب سجاير مش أنت اللي ضربت عزالدين عليها» فكان رده عتابًا على من كان معه وقتها وكأنه هو الذي يدخن وذلك إحراجًا من الطفل والفنان قال إنه بسبب هذا الموقف لم يعد يدخن في الأماكن العامة.
ولو أراد الفنان أن يظهر مثالياً لقال إنه انقطع عن التدخين من وقتها لكنه كان صادقاً مع نفسه ومع جمهوره
الفنان محمد صبحي معروف أنه من أكثر الفنانين تقديرًا لجمهوره وأكبر دليل علي ذلك أعماله ونوعيتها وطبيعة فنه.
وباب آخر للتقدير هو أنه فور قيامه من الوعكة الصحية كان حريصاً علي الحديث مع جمهوره وطمأنته.
كما أن الفنان محمد صبحي خرج ليطمئن المضطربة قلوبهم ووضح أنه لم ير السائق وهو يجري خلف السيارة وأن السائق لم يترك عمله من الأساس بعدما ادعى البعض أنه تم فصله من عمله على خلاف الحقيقة.
واحتراماً لجمهوره قال «صبحى» في تبريره للموقف: «عايز الناس تعذرني لإني قعدت ٢٠ دقيقة في الشارع أدور عليه والكاميرات والموبايلات في وشي».
السؤال الآن هل يمكن ان نعتبر هذا الموقف درسًا جديدًا نتعلم منه.
وكلمة أخيرة لأهل السوشيال ميديا: عودوا إلى مقاعدكم الإنسانية وتوقفوا عن نصب المشانق واحترموا التاريخ وأصحابه واختلفوا لكن بأدب وتقدير وكونوا رحماء.
نصيحة: تعاملوا مع السوشيال ميديا دائماً بمنطق الشك لا اليقين وأدرسوا المواقف وأسبابها وظروفها وتداعياتها وبعد كل هذا اكتبوا رأيًا فهذا حق مكفول ولا تصدروا أحكامًا فهي أشبه بذبح البرئ بسكين غير حاد.