مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

قصة قصيرة : ساعة الصفر... بقلم صباح عبد الحليم نصار

2026-04-22 01:57 PM  - 
قصة قصيرة :  ساعة الصفر... بقلم  صباح عبد الحليم نصار
صباح عبد الحليم نصار

كان مجرد النظر إليها يرهقني، لا أعلم ما الذي يدفعني إلى كل ذلك الحزن الذي ينخر بداخلي ؟! كدابة الأرض تأكل منسأة سيدنا سليمان .

كنت أجلس بجوارها بينما تتساقط دمعاتي لتحصرني بين ماض يقتلني، ومستقبل أخشى قسوة سنواته .

أرى تلك الخطوط المحفورة في ملامحها وكأني أنظر إلى مرآة تريني المستقبل وما ستؤول إليه أرضي الجافة بلا راع ، أسائل نفسي: عندما يأتي موسم الجفاف هل سأجد من يحفر ينبوعا ليرطب قاع قلبي ؟أم سأظل عطشى حتى الموت؟!

فدائما كنت أسأل نفسي هذا السؤال عندما أصادف عجوزا تعاني الوحدة، حينها أتخيل نفسي وما سأكون عليه في سنواتي القادمة.

نظرت نحوي في شفقة، وكأنها تعلم جيدا ما يدور بداخلي، فكم تحدثت إليها عما يخيفني، ذلك الفراغ الذي يملأ محيطي فيصيبني بطعنات الوحدة القاتلة.

أبحث داخل عينيها عن قصة من تلك القصص التي أذابت أذني بقسوة ما تحمله، كم كانت الوحدة تقتل ساعات عمرها، وكم كانت ترى الجدران شاخصة إليها كحراس يضيقون عليها الخناق فيصبح السجن مزدوجا .

الحياة بلا رفيق تجعل منك مجرد لوحة قديمة في بيت مهجور لا ينظر نحوها سوى تلك الجدران المتهالكة ، التي تحيط بها ليتوكأ كل منهما على الآخر فيصبح السقوط حتميا . هكذا كنت أراها وقد أوشكت على السقوط، ذلك التداعي الذي أراه داخل روحها في لحظاتها الأخيرة جعلني أنظر إلى نفسي، فقد حان وقت المواجهة، فأنا تلك الفتاة التي ترتضي الوحدة، وتكتفي بنفسها ولا شيء آخر .

أكتفي بعملي وما أدرُّه منه ، مما يجعلني استغنى عن الزواج ولكني أجزم الآن أن ساعات الليل الطويلة لم أنمها دون أن أرى كل ليلة شبح الوحدة يطارد أحلامي المرهقة .

كلما نظرت إلى وجه جارتي المريضة بعد أن تخطت السبعين، وقد دفنت نفسها داخل تابوت العزلة المظلم ، والآن أجدني أقف شاهدة على لحظات وداعها الأخير مع الجدران الموحشة، ونظراتها نحو دقات الساعة ، تنتظر انحرافة العقرب نحو ساعة الصفر .

أتابع الساعة معها وكأني أنتظر ساعتي ، أتخيل نفسي بعد سنوات وأنا  قابعة فوق  السرير نفسه ، تنخر الوحدة داخل عظامي لتجعل لسكرات الموت عذابا مزدوجا .

لحظات من الظلام تملأ عيني بما يحمل المستقبل ,  فهل هي إشارة ؟

الخوف يقتلني فهل سأجد من يجلس بجواري في تلك اللحظات الفاصلة ، فقد عشت عمري مثل القطار الجامح لا يعلم لماذا يسير، أو إلى أي جهة ينوي ، كل ما يفعله أن يأكل القضبان تحت عجلاته، ولا يعلم أنه سيأتي اليوم الذي تتخلى عنه قضبانه وتحيله إلى مقبرة القطارات القديمة فيصبح وجوده مجرد ذكرى ، هكذا كنت دائما لا آبه لشيء، ولا أتوقف لأحد ، حتى وجدتني الآن أقترب من محطتي بعربات فارغة .

ظللت أتأملها وأنا أصارع بين صورة المستقبل الذي أخشاه وبين مستقبلي الذي أرسمه .

وفي لحظة شهقت آخر أنفاسها لتريني نهاية الطريق الذي أسير فيه .

جلست أتذكرها وأنا أنظر إلى وميض الأمل الذي يتلألأ  أمام عيني ، فمازالت لدي الفرص في أيامي القادمة ، ربما كانت تلك إشارة لأغير اتجاه القطار إلى خط آخر.

مساحة إعلانية