مساحة إعلانية
المحنة حالةٌ يكتشف فيها الإنسان نفسه أكثر مما يعرف المحيطين به. في الليلة السابعة من الحداد، جاء الدخان ،من كلمةٍ نطقها قلبها قبل لسانها: لو كان أحدٌ يفهمني ؟!!!
ظهر حمزة على رأسه ، تاج من لهبٍ لا يحرق، وعيناه محيطان لا يهدآن ،تلامست أصابعهما لثانية تيبست يداه ، واحترقت أنفاسها.
قال: نحن سفينتان تائهتان في قلب محيط ، لا وجهٌ مشترك، لا لغةٌ، ولا خط سير.
قالت: علمتني الموروثات أننا عالمان ، لكن القدر أثبت أن اندماجنا مشروط ،لكنه ليس محال .تحملنا يابسةٌ واحدة، و تظلنا سماءٌ واحدة.
من حيث أتى، يعبق الأثير بدخانه. ومن حيث أتت ، يخنق الدخان أنفاسها ويذيب جلدها لهيب النار. ومع ذلك تبسمت وغاصت فى محيطاه .حملتهما الأقدار إلى رحم المستحيل، فأنجبا طفلة ولدت بين العالمين ،صرخت العشيرتان ،نفت كل طائفة ما ألت اليه الأمور. أصدر ملوك الجن حكمهم: إن اقتربت منها متَّ . وأصدر شيوخ الإنس حكمهم: إن ذكرته كفرتِ . أبقيا السفينة على بعدٍ من التيارات والشلالات كي لا يحدث الدمار. اختارا أقسى المعطيات : الفراق في اليقظة.لكن الحب عنيد.
اتفقا في ليلةٍ بلا قمر: إن منعونا الأرض، فلن يمنعونا السماء .منذ ذلك الحين، كلما نامت وعد، عبرت الأبعاد بكل ماتحوي ، وكلما أغمض حمزة عينيه في قصر من نار، وجدها تنتظره. يلتقيان في "الأثير" — مكانٌ لا هو ليلٌ ولا نهار، لا نارٌ ولا ماء. حديقةٌ معلقة بين العالمين.هناك لا يتيبس ولا هي تحترق هناك يضحكان ، يعشقان يتشاجران على أتفه الأشياء. هناك تعلمه كيف يبكي، ويعلمها كيف تطير. تخبره عن قهوة الصباح والرسائل المنسية فى صندوق بريد الأحلام ، وجع الامنيات المسجونة ،زحمة المواصلات ، سوء المعيشة ، وضمة عاشت طوال العمر تفتقد صاحبها.
ويحكي لها عن نجومٍ لا يراها البشر، وعن كتبٍ كتبتها الرياح ،وعن مجرات لم يكتشفها اولو العلم بعد ،ومدن تحت الماء ترانا ولا نراها .وفي كل فجر، قبل أن يفرقهما النور، يهمس لها: غداً؟ فتجيب: غداً... في الحلم.كبرت ابنتهما. صارت هي الجسر.لا يستطيعان لمس بعضهما في الواقع، لكنهما يربيانها سوياً ،وكأنها تفاحة أدم ،ليست محرمة لكنه امر بالبعد عنها ،فلما اقترب أصبحت خطيئتة الكبرى .الناس يرون وعد امرأةً هادئة،قليلة الحديث ،نادرا ما تبتسم فى وجه احد ،قالوا مغرورة ،متكبره ،مجذوبة ،قالوا كثيرا حتى اجتنبها البعض احتراما وتقدير والأخر خوفا ورهبة.
لا أحد يعلم أنها كل ليلة تعيش عمراً كاملاً مع من تحب ،المحنة علمتها شيئاً واحداً:
أحياناً لا يكون الحب أن تمتلك.
أحياناً يكون الحب أن تجد في منام شخصٍ آخر وطنا ترتضيه .
وانتهى الأمر على وعدٍ يتكرر كل ليلة: أبقِ السفينة على بعدٍ من التيارات... وسألقاك عند الشلال .
تعويذة لا يستطيع مخلوق فك شفراتها سواهما ،وربما ياتي يوما يعلما ابنتهما فك الشيفرات .