مساحة إعلانية
عصفورة على غصن شجرة السرو القديمة، تنظر إلى السرب العابر في السماء فتحسدهم. هم يواجهون الريح بصدور مفتوحة، أما هي فلم تستطع يوماً أن تواجه ألمها، مخاوفها، أن تبكي بصوتٍ مسموع، أن تصرخ حتى تسمعها الغابة التي لم ترحمها يوماً، أو تستنجد بطيرٍ مارّ يشعر بألمها فيقول:
أنا هنا، أنا معك لا تخافي.
وهذا كان انكسارها الكبير, لم تجد جناحاً دافئاً يضمّها برفق، يبثّ الأمان في عروقها الصغيرة، فتنهار على كتفه وتبكي دون خوف من سؤال مرير:
ماذا جرى؟!
مضى زمنٌ طويل وهي تبحث. حطّ على غصنها غرابٌ أسود، لامع المنقار، فظنّته حكيماً. أمضى معها أياماً يسألها عن ريشها الملوّن، عن صوتها الذي لا يشبه صوت أحد. ثم طار ذات صباح، وأخذ معه حبّة القمح التي كانت تدّخرها للشتاء.
قال وهو يطير:
هكذا تسير الدنيا، يا صغيرة.
لم تبكِ, فقط نظرت إلى مكان الحبّة الفارغ، وفهمت.
الجنون ليس فقدان العقل، بل فقدان من يفهم محتواك دون شرح طويل. بعدها جاء عندليب خفيف الظل، صوته عذب يملأ الوادي. وعدها أن يعرّفها على كل شجرة مثمرة في الوادي، وأن يغنّي لها إن شعرت بالوحدة , صدّقته, طارت خلفه من وادٍ لوادٍ حتى تعب جناحاها ,وعندما وصلت، وجدت الشجر عارياً والوعد سراباً.
التفت العندليب قائلاً:
أنا أطير حيث يكون الغناء أسهل , لا تلومي الطير إن بحث عن راحته.
هنا شعرت العصفورة بالضياع، فقدت الشغف من كثرة الطيران بحثاً عن الأفضل، نسيت الغصن الذي نشأت فيه. نسيت أن تحت الشجرة بذوراً لم تُلمس، وأن في جوف الجذع ماءً لا ينضب.
لم تُخطئ، لكنها نسيت أن ترى الخير المتاح لها وهي تلهث وراء الأبعد.
في الليل كانت تردّد لنفسها وهي ترتجف من البرد:
عندما ينتهي شيء، يبدأ شيء آخر , لعل الله يأذن بما أأمل، لعل الفرج قريب.
جاء صباحٌ بارد، لم يأتِ أحد. لا غراب، لا عندليب، ولا حتى عصفور عابر.
جلست وحدها، وهمست للريح:
إن وجدتني يوماً، فلا تسألني أين كنت , لا تهتم. كل ما أريده أن تقول لي:
كيف حالك؟
سكتت الريح ,ثم حرّكت الغصن حركة خفيفة، كأنها تقول: أنتِ بخير، ما دمتِ تتنفسين. فهمت العصفورة لأول مرة أن الأمان لم يكن بعيداً.
كان في جناحيها، في قدرتها على الوقوف من جديد، وفي صوتها الذي لم يمت رغم كل شيء.رفعت رأسها ونفضت ريشها. لم تعد تنتظر من يضمّها. قررت أن تكون هي الجناح الدافئ لنفسها.في اليوم التالي، لم تطِر بعيداً.
بقيت على الغصن نفسه، تراقب الغابة. رأت العصافير الصغيرة تتشاجر على فتات الخبز، ورأت الحمامة تبني عشّها بحذر، ورأت النسر يمرّ عالياً فلا يلتفت لصغار الطير. كلٌّ مشغول بعالمه، وكلٌّ يحمل همّه وحده.اقتربت منها عصفورة عجوز، ريشها أبيض من التعب، وصوتها خافت كالهمس , قالت:
أراكِ منذ زمنٍ تطيرين وترجعين بجناحٍ مكسور, لماذا لا تستريحين هنا؟
أجابت العصفورة:
كنت أبحث عن مكانٍ لا يُكسر فيه أحد.
ضحكت العجوز ضحكة خفيفة، وقالت:
لا يوجد مكانٌ كهذا في غابة يغلب فيها القوي الضعيف، وتأكل فيها الجوارح عصافير الجنة، لكن يوجد قلبٌ إن رمّمته، لن يُكسر بسهولة.
جلستا معاً صامتتين, سألت العصفورة الصغيرة:
وكيف ترمّم القلوب؟
قالت العجوز:
تكفّي عن سؤال الناس , هل أنا كافية؟ , وتبدئي بسؤال نفسك:
ماذا أستطيع أن أعطي؟ , حين تعطين دون انتظار، يعود إليكِ ما يشبهك، لا ما يشبه حاجتك.
مضت أيام, بدأت العصفورة تجمع الريش المتساقط من الشجرة، وتبني به عشّاً صغيراً في تجويف الجذع. لم يكن فاخراً، لكنه دافئ. صارت تخرج فجراً تبحث عن الماء والطعام، وتعود لتشاركه مع عصفورٍ جريح وجدته ذات قيظ تحت الشجرة.
لم تسأله من أين أتى، ولم يطلب منها أن تبقى. فقط شاركها الماء والغذاء حتى شفي، وطارا معاً مسافة قصيرة قبل أن يفترقا. ولأول مرة منذ زمن، لم تشعر بالفراغ بعد الفراق.لأنها لم تعد تعطي لتُعطى، بل لأن العطاء صار جزءاً منها.
في ليلة مقمرة، وقفت على أعلى غصن في الشجرة وغرّدت, لم يكن صوتها أقوى الأصوات، لكنه كان صادقاً, سمعها عصفورٌ في الوادي البعيد، فردّ عليها بلحنٍ بسيط, لم يلتقيا، لكن الصدى جمعهما لثوانٍ, فهمت العصفورة أن الوصل لا يحتاج لقرب الجسد , وأن الخير المتاح لا يكون دائماً في اليد، أحياناً يكون في الصوت، في الأثر، في لحظة صدقٍ عابرة.
تذكّرت كلامها لنفسها في الليالي الباردة:
عندما ينتهي شيء، يبدأ شيء آخر, لكنها أضافت :
وما بدأ بي، لا ينتهي إلا بي.
لم تعد تنتظر من يضمّها لتنام ,صارت تضمّ نفسها بجناحيها، وتقول:
بخير، ما دمتِ تحاولين.
مرت الفصول، تغيّر لون الشجرة، تساقط ورقها، وعاد من جديد ,والعصفورة بقيت كما هي, لم تصبح أقوى الطير، ولا أسرعهم، ولا أجملهم ,لكنها صارت أعرفهم بنفسها.
وفي أحد الأيام، حطّ على غصنها عصفورة صغيرة ترتجف, نظرت إليها وقالت: خائفة, لا أجد من يضمني!
ابتسمت وفتحت جناحيها قليلاً , قالت:
اجلسي، هنا دفءٌ يكفي اثنتين.
جلست, لم تسألها من خذلك، ولم تعدّ لها قائمة الخيانات , فقط همست:
كيف حالك؟
فانفرج وجهها، ونامت مطمئنة,أدركت العصفورة أن الدائرة اكتملت، وما كانت تبحث عنه في الغرباء، وجدته حين صارت هي ما تريد ,رفعت رأسها للسماء، ولم تحسد السرب العابر هذه المرّة , بل غنّت معهم بصوتها الصغير، وهي تقول للصغيرة:
لا تلتفتي إلى الوراء طويلاً , ما فاتكِ لم يكن لكِ، وما أتاكِ لن يأخذه أحد إن كنتِ له أهلاً.
صمتت الغابة قليلاً، كأنها تصغي , ثم عادت الريح لتحرك الأغصان، والشجر ليهمس، والحياة لتستمر.