2026-08-09 10:46:26
مساحة إعلانية
قصة عن التراث العماني (سلطنة عمان)
ذلك هو السؤال الروتيني الذي يتبادر إلى ذهني كل صباح، أردِّده بعد أن يخمد هدير سيارتي في المكان المُخصَص لها، وقبل أن أترجَّل منها، لكن تلك الإجابة ليست روتينية من رئيسة التمريض، قالتها بعدما فرغت من تقريرها الصباحي عن سير العمل في الليلة الفائتة.
في العادة، لا تخرج أحداث الأمس عن كونها حالات عادية: حالة مرضية عاجلة تم نقلها بسيارة الإسعاف إلى المستشفى المرجعي، نوبة هذيان لأحدهم أو حادث سير بعد منتصف الليل، مشادة كلامية بين أحد المراجعين والممرضة التي رفضت استدعاء الطبيب من بيته بعد أذان الفجر، وضعت (تَحْميلة) خافضة للحرارة للطفل، ثم أخبرت الأب أن يعود به إلى العيادات في الصباح، لكن الرجل الغاضب نهرها، واحتدَّ عليها مطالبًا باستدعاء الطبيب من بيته في الحال، فقالت: الحالة بسيطة ولا تستدعي ذلك.
لم يهتم الرجل بقولها، ورفع هاتفه المحمول ليرسل شكواه إلى الخط الساخن، يشرح فيها حالة ابنه الحَرِجَة، وكيف أن الممرضة قد رفضت استقبالهم، وكيف أشاحت بوجهها بعيدًا عنهم ولوَّحت بكفها في وجوههم وهي تصرخ قائلة: ما في طبيب، تعالوا في الصباح.
كل ذلك ومثله الكثير لا يرقى لكلمة (شيء غريب)، حتى عندما جاءهم ذلك الشاب منذ عدة ليالٍ وهو يردِّد: أريد أن أموت.
يصرخ فيهم وهو يلقي بجسده على سرير الاستقبال: أريد أن أموت.
كان وجهه شاحبًا ويعتصره ألم خفي، سارعت الممرضة باستدعاء الطبيب، وهرولت أخرى لقياس علاماته الحيوية، وعندما جاء الطبيب مُسرِعًا وما زال بعض الكرى مُعلقًا بجفنيه، وضع سماعته على صدر المريض قائلًا: ممَّ تشتكي؟
تَفْقدُ الأحداث غرابتها بالتكرار، حتى تلك الجُثث التي تأتي هامدة برفقة رجال الشرطة، يبهت شغف الأسئلة عنها بمرور الأيام، ويتبقى سؤال واحد يثير الخوف والريبة، هل كان هناك خطأ طبي؟
تطل حالات الانتحار عادة في الصباح الباكر مع مولد يوم جديد، هي تكرار للقصة ذاتها مع اختلاف الأسماء والأماكن، أحدهم وجدوه مُعلَّقًا من (إزَاره) المجدول في قضبان نافذة الحمام بعد مكالمة تليفونية غاضبة، وآخر اكتشف (الكَفِيل) سرقته فولَّى هاربًا، وفي اليوم التالي وجدته الشرطة مُعلقًا في شجرة غَاف على أطراف الوادي، جميعهم من الطائفة الهندوسية الهندية، وكان يؤرقني ذلك السؤال عقب كل حالة، مَن ذا الذي يستطيع أن يَقْدم على قتل نفسه، ولماذا؟ هل هو فرار من واقع مرير أم فرار إلى وعد بحياة أفضل؟
بُحت بها إلى ضابط مسرح الجريمة وهو يتفحَّص الجسد الهامد بين يديه، يُخرج ما في جيوبه وينزع ما في أصابعه ثم يضعهم في حافظة بلاستيكية سميكة، سلَّمها إلى العسكري ثم استدار نحوي قائلًا: لماذا يعذِّب نفسه وهو يملك الخلاص.
قلتها مستنكرًا فأجاب في دهشة: وهل كان مؤمنًا قبل الانتحار؟
لزمتُ الصمت، أعلم أن المنتحر هندوسي، فكيف يكون مؤمنًا؟ ومؤمن بماذا؟
إن أصحاب الديانات السماوية يؤمنون بتعاليم وفروض جاءت من السماء، تحفظ النفس وتحرِّم قتلها، فهل تفعل الديانات غير السماوية ذلك؟ وفكَّرت في ذلك العَالِم المُلحِد الذي ينكر وجود الخالق، هل يمنح نفسه حرية الاعتداء على الآخرين في الخفاء، ما الذي يخشاه عندما يتوارى عن أعين قانون لا يستطيع أن يُعاقِب بعد الموت أو أن يكافئ أتباعه، فقلت: كل مؤمن بديانة قويمة يُحرِّم قتل النفس. وقال الضابط بصوت مُفعَم بالوجع: وهل توقف المؤمنون عن قتل أنفسهم؟!
كانت صداقة قد نشأت بيننا بحكم العمل، وتكرار حالات الانتحار في تلك المدينة الكبيرة، فأدركتُ مقصده، وتذكَّرت صديقه الذي رحل ليقاتل في بلاد بعيدة، رحل ليموت هناك بعدما وعدوه بحياة أفضل بعد الموت، وتيقَّنت من ذلك بعد قوله: كان يحلم بحورية يعانقها سبعين عامًا.
فقلت ساخرًا: ذلك في العناق، فما بالك بالقُبلة والجِماع؟
وفكَّرتُ في السبعين حورية اللاتي ينتظرن دورهن في شوق؛ وكأن الجنة ليست سوى عِناق ومُضَاجَعة، ثم استطردتُ في صوت حزين: الغريب، أن من وعدوه بالجنة يبخلون بها على أنفسهم وعلى أبنائهم أيضًا.
رمقتُ الجسد المسجَّى بيننا ثم قلت: لكن هذا الهندوسي المسكين، لا جنة ولا حوريات.
فقلت في دهشة: أفضل لمن؟ هل سيمنح موته حياة كريمة لأبنائه في الهند، عجز هو عن منحها لهم وهو حي يرزق؟ أم أن الموت أفضل له عن بضعة أشهر يقضيها خلف جدران السجون.
قاطعني الضابط وهو يشير بيده: ليست بذلك المنطق يا طبيب.
قاطعني مرة أخرى قائلًا: وهذا أيضًا ذهب لحياة يظنها أفضل بعد الموت.
لزمنا الصمت قليلًا حتى فرغنا من تقليب الجسد القوي المسجَّى بيننا، لم نجد أثار جرح أو كدمة، أو علامات للتسمُّم أو الاعتداء من الغير، أشار إلى مساعده أنه قد انتهى من معاينة الجثة، أوصى بإيداعها ثلاجة الموتى حتى تنتهي إجراءات تسليم الجثمان لسفارة بلاده، غادرنا الغرفة وتركنا الجثمان بين يدي الممرضات، انزوينا لنستظل بشجرة السِدر التي أمام مدخل الطوارئ، ثم قال بهدوئه المعتاد: العقيدة الهندوسية تؤمن بعدم فناء الأرواح.
ثم أردف قائلًا: بعد الموت تنتقل الروح إلى جسد آخر، ويبدأ رحلة جديدة مع حياة أخرى جديدة.
قلتها في تهكُّم فأجاب ضاحكًا: لا مشكلة، يحاول الانتحار مرة أخرى، فالروح عندهم مثل الطاقة، لا تفنى ولا تُستَحدَث من العدم.
فقلت ساخرًا: هذه ليست روح، بل جمعية استهلاكية.
انصرف الضابط إلى أعماله وعدت إلى روتيني اليومي: اجتماع الخمس دقائق مع مديري الأقسام، العروج إلى قسم التنويم لإلقاء التحية الصباحية على العم خلفان، العودة للأعمال الإدارية بالمكتب.
في الغرفة الثانية من قسم الرجال، وعلى السرير الأخير بجوار النافذة الشرقية يرقد العم خلفان، مع ابتسامة هادئة لا تفارق عينيه الغائرتين في محجريهما أعلى صفحة وجه صخري القسمات، وكأنه قطعة منحوتة من الجبل كناقة صالح، يستقبل بهما الشمس القادمة من بعيد كل صباح، وفي المساء يقلبونه ذات اليمين، حتى إذا ما فاضت روحه كانت مستقبلة القبلة، يتكوَّر على نفسه كجنين راقد في رحم أمه، رأسه خالية غير بعض الشعيرات المتناثرة كأشجار الغَاف في فلاة، يُظهِر جسده العاري أسفل قميص المستشفى طيات الجلد النحيف أسفل الرقبة والصدر، وحافظة قطنية تستر ما بين فخذيه، كورقة توت يخصف بها رجل الغابة سوءته وهو يجوب الأرض بشعابها وجبالها وصخبها، لكن غرفة العم خلفان ليست صاخبة، هي مثله هادئة تمامًا، يُسلم بدنه للممرضات لينظفن بقايا قرح الفراش التي في ظهره وأسفل فخذه الأيمن، لكن روحه تمرح بعيدًا عنهم، بين الحين والآخر أتولَّى ذلك بمساعدة الممرضة، يُلقيني بنظرة غير مكترثة، أمرِّر يده في القميص النظيف وأداعبه قائلًا: قميص جديد ليوم جديد يا عم خلفان.
تخرج الممرضة وأبقى في صحبته وحيدًا، أبثه شكواي وأُظهر أمامه ضعفي دون خجل، أُلقي على كاهله ذلك الحمل الذي يصاحبني كل صباح، أنتظر الإشارة منه لطريق الصواب فهو يعرفه جيدًا، أليس كذلك يا عم خلفان؟ أنت تعيش خارج الدنيا، تستطيع أن تحكم عليها دون زيف أو مواربة، لقد تعرَّت أمامك وتخلَّت عن زخرفها، أنت الآن تقف على حافتها كمشاهد لمباراة كرة القدم من خلف شاشات التلفاز، تُدرك الخطر وتعرف كيفية معالجته، تصرخ في ذلك اللاعب الغافل أن انتبه، لكن صوتك لا يتجاوز حنجرتك، لا أحد ينصت لندائك أو يعي إشاراتك أو ينتظرها، أنا وحدي يا عم خلفان أنتظر منك تلك الإشارة، أنا مثلك غريب عنها، لكن صِراعي معها لم ينته بعد.
كل صباح ألملم حاجياتي، أحمل حقيبتي أنوي الرحيل، لكن إلى أين؟
ما عادت شمس بلادي تذكر ملامح وجهي التي شوهتها طرقات الغربة، ولا عاد صوتي يؤنس أبنائي ليلًا، يزعجهم سُعَالي في الصباح، يقيِّد حركتهم ويسلبهم حريتهم كما يظنون، ألملم حاجياتي وأعانقهم على الباب عند الرحيل. تراني أخطأت يا عم خلفان عندما رفضت نصيحة ذلك الرجل على سلم الطائرة، تأمَّل وجهي بعينيه المُجهَدتين وقال في صوت متهجِّد: لا تدع الأيام تسرقك، لا تفرح بالسيارة والطعام النظيف، سيأتيك يوم يصبح كل ذلك لا شيء.
هو أعطاني الإشارة لكنني تغاضيت عنها، قطعة اللحم المغروزة بقاياها في ضرسي الناخر تؤلمني، أخبروني أنها من نفس القطعة التي تم طحنها، ومزجها بالأدوية قبل صبها في الأنبوب الممتد من أنفك حتى المعدة. أراك تبتسم، هل تسخر مني؟ تسخر من صديقك الوحيد، هذه حقيقة لا تستطيع أن تنكرها، جاءك زائر بالأمس وسمحت له بالرقاد إلى جوارك، بماذا أخبرك، وهل بُحت له بأسرارك؟
تلك الأسرار التي تبخل بها عليَّ رغم بوحي لك بأدق أسراري، حدثتك عن محبوبتي التي لم أتزوجها، وعن زوجتي التي لم أحبها... عن بلادي التي لفظتني شوارعها... عن سيارتي، عن مرضاي... عن أحلامي وأحلامي... عندما جئت إلينا محمولًا في سيارة الإسعاف، كانت التقرُّحَات تملأ جسدك النحيل، وكان صدرك يضيق بأنفاسه، لم يجالسك أحد غيري، حتى أتاك ذلك الغريب، قليلة جدًا الحكايات عنك يا عم خلفان وغريبة، مثلما حدث بالأمس.
فقد وجدت (السِيسْتَر بندو) ذلك الغريب يشعل سيجارة وينفث دخانها في وجهك، نهرته فرفض الاستجابة لها، وعجز الساهرون عن إخراجه من الغرفة، تطوَّع ماجد (رجل الأمن) للبقاء في صحبتكما حتى يمنعه من التدخين ومن إزعاجك.
في المساء. لبَّيتُ دعوة الأصدقاء لتناول القهوة العربية على ضفة الوادي، افترشنا الأرض أسفل شجرة السِدر العملاقة، وأشعل أحدهم نارًا حامية فقلت مستنكرًا: القهوة تحتاج نارًا هادئة وليس كل ذلك الدخان.
قالها الثاني وهو يخرج عيدان (المشَاكِيك)([1]) من الصندوق الحافظ لها، وشرع في ترتيبها بعناية شديدة، وقال الثالث: قهوة ومشاكيك يا طبيب، فالقمر الليلة في تمامه.
ضحك الشيخ سالم -أكبرهم عمرًا ومقامًا- وهو يقول:
ضحك الجميع وفهمت مقصدهم، تناولت القهوة من يد الشيخ سالم وأسندت ظهري إلى الشجرة، فقال دون مقدمات: تعرف يا دكتور من زرع تلك الشجرة؟
تأملتها بإعجاب واستطرد يقول: إنه خلفان، العم خلفان الذي يرقد عندكم في المستشفى.
أجبته في لهفة فقال: كيف لا أعرفه وهو من حِلَّتنا؟!
ثم تملكته روح شهرزاد وراح يحكي عن أيام الصِغر، عندما كان العم خلفان يجمعهم عند نزول الوادي، يصحبهم إلى أطراف القرية لمشاهدة بداياته، وعندما يهدأ وينتظم جريانه يعلمهم السباحة فيه، ثم حكى عن دابة خلفان السوداء وظهرها العالي قائلًا: لم تكن مثل الحمير التي نعرفها، كانت أشبه بحصان قصير القامة.
قاطعته قائلًا: بغل. فقال في حماسة: البغل، هذا هو اسمها، وكان العم خلفان يطوف بها البلاد، يجوب الصحاري البعيدة ويقطع الوديان.
صبَّ فنجان قهوته الثاني، ونظر نحو (الفَلَج)([2]) الصغير الذي يعبر خلف الشجرة وقال: وهذه (الشَرْجَة)([3]) لم تكن هنا، شقَّها العم خلفان في الصخر ليجري الماء أسفل سِدرته فتشرب، وتشرب بغلته.
قلت مستفسرًا: سمعت أن أفلاج عمان من صناعة الجِنِّ بأمر سيدنا سليمان.
قالها وهو يطلق ضحكة مفعمة بالشجن فقلت: لماذا لا يأتيه أحد؟ أين أقاربه وأبناءه؟
وضِعَت المشَاكِيك في صحفة كبيرة، وإلى جوارها جفنة (السْبار)([5]) الحامض وقرون الفلفل الحار، وبعض من خبز (الرخال)([6])، وجفنة أخرى من عسل النحل الجبلي، تناول الشيخ سالم مشكاكًا وأجراه في السْبار ثم قضمه في تلذُّذ شديد، فتبعناه جميعنا، تخيَّرت مشاكيك اللحم وتركت لهم الروبيان والحبَّار حتى نطق الشيخ سالم مرة أخرى قائلًا: العم خلفان اختفى لسنوات طويلة منذ أن كنا صغارًا، لم يعرف أحد طريقه، حتى بغلته كانت تأتي لتشرب من الفلج، وترقد أسفل السِدْرَة لعِدَّة أسابيع ثم ترحل، وظن الجميع أن خلفان قد مات، لم يستطع أحد اعتلاء ظهرها من بعده، هي أيضًا رحلت عند نزول الوادي في فيضان لم تشهده البلاد من قبل، وجدوها نافقة على بعد قريتين.
لم أستطع النوم في تلك الليلة، أصابتني حكايات العم خلفان بالأرق، فتوجهتُ إلى المستشفى باحثًا عن ماجد في مناوبته الليلية، حملنا مقعدين وجلسنا أسفل شجرة السِدر التي أمام بوابة الاستقبال، وسألت: قل لي يا بطل، ماذا حدث أمس؟
ضحك وتملَّكته الحماسة قائلًا: كانت ليلة غبراء، لا تريد أن تنتهي.
وكأنه يعرف شغفي بالتفاصيل، راح يحكي عن الممرضة (بِنْدُو) وما حدث مع الغريب، فقلت: وأنت تبرَّعت بكل شجاعة لمراقبته.
كان ماجد يقص حكايات الغريب عن العم خلفان وأنا غارق في الصمت، شديد الانتباه لكل كلمة تجود بها ذاكرته، وكأنني معهم في الغرفة أراقب حركات الغريب وإشارات العم خلفان.
"التقينا في السعودية منذ أكثر من ثلاثين عامًا، كنا نعمل حارسين لمجمع تجاري كبير هناك، ونسكن غرفة صغيرة بملحقاتها بجوار المجمع".
ذلك ما قاله الرجل، ثم تحسَّس لحيته البيضاء وهو يقول في حماسة: كان أفضل وقت تجلب فيه النساء إلى الغرفة هو وقت الصلاة، الشوارع فارغة والجميع مشغولون بالهروب من المُطوَّع.
تململ ماجد ومصمص شفتيه قائلًا: أستغفر الله.
فاستطرد الرجل دون اكتراث: كنت شيطانًا وأنا صغير، وخلفان كذلك، لكنه لم يكن يقرب النساء، وكان يتشاجر معي دائمًا بسببهن وهو يردِّد "إلا النساء، حرام كبير"، هو فقط كان يحب الدُّخَان ولا يمانع في شراب (العَرَقْ).
اعتدل الرجل في جلسته، وحاول إشعال سيجارة أخرى، لكن نظرة ماجد ردَّته إلى صوابه فوضعها في جيبه وهو يقول: تم طردي من المجمع التجاري ولم يتخلَّ عني خلفان، فانتقلنا للعمل في إحدى شركات النفط الجديدة في الصحراء، وفرح خلفان حيث لا نساء ولا وجه حسن، فقط وجوه ذكورية كالحة من جميع الجنسيات، فقط أنا وخلفان من عُمان.
ألقى الغريب بنظره نحو العم خلفان وجسده النحيل الملقَى على سريره، أفقده المرض القدرة على الحركة، لا يملك غير ابتسامة ترسمها عيناه، وارتعاشة شفتيه العاجزة عن رسم الكلمات، ثم نهض واقترب منه، أمسك بيده وطبع قبلة حانية على جبينه وهو يقول: كان يخرج للخلاء بمفرده في وهج الصحراء، ويعود حاملًا على كتفه (ضَبْ) ذيله قوي وطويل، لو ضرب به شجرة لاقتلعها من جذورها، يسلخه ويطبخه ويأكل الجميع منه.
عاد الغريب إلى مجلسه وهو يستطرد في حزن: خلفان طيب القلب، كان مثل الطير لا يهدأ له بال، وكان يمنح كل ما بيده للغير، انتقلنا معًا إلى العراق ثم الكويت حتى استقر بنا الحال في الإمارات، تركني خلفان في الشارقة وعاد إلى عُمان، كانت الأوضاع قد تغيَّرت في البلاد ولم أره منذ ذلك الوقت.
غلب النُّعاس ماجد وهو يقاومه بشِدَّة، يستمع لكلمة ويُسقط عشر، لكن الغريب لم يكترث وكأنه يحكي لنفسه أو للعم خلفان، حتى راح ماجد في نوم عميق.
توقف ماجد عن الحكي فقلت: ماذا بعد؟
فقال ساخرًا: ماذا بعد!
غرقت في النوم لأستيقظ في الصباح وصدري ممتلئ بدُّخان الغريب، الذي استغل لحظات نومي ليعود لفعلته مرة أخرى.
صافحت ماجد ورحلت، فالساعة قد تجاوزت منتصف الليل بقليل، وكانت كلماته تطرق ذهني بقوة، تلك الكلمات التي قالها الغريب واحتفظت بها ذاكرة ماجد قبل أن يغرق في غفوته: "خلفان لا يحتاج إلى أدويتكم وعلاجاتكم، خلفان يحتاج أن يخرج من سجنه، يحتاج إلى سيجارة وساعة يقضيها تحت الشمس".
في الصباح التالي، أخرجتُ العم خلفان من غرفته التي لم يفارقها منذ عِدَّة أشهر، وأسفل مظلة شمسية أجلسناه، ظهره إلى الجدار ويولي وجهه نحو أحواض الورد والنعناع، ألزمت (مُضَمِدَّة)([7]) بمرافقته لتهش عنه الحشرات والهوام، ودثَّرت ساقية بدثار رقيق، ثم تبسَّمت في وجهه قائلًا: ما رأيك الآن يا عم خلفان.
لم يصدق أحد أن تلك الكلمة خرجت من بين شفتي العم خلفان، فأعدت سؤالي مرة أخرى، فأعادها في هدوء: زين.
هلَّل الجميع وفرحنا بكلمة العم خلفان، اقتربت من أذنه وهمست له: هل تعافيت من أسقامك؟ أم أنك لم تكن سقيمًا من البداية.
في اليوم الثاني نطق ثلاث كلمات، أرسلتُ إلى المستشفى المرجعي طالبًا فحصه من جديد، وإعادة تقييم حالته ووضع خطة جديدة لعلاجه، فتحدَّد له موعدًا بعد يومين، وفي اليوم الثالث طلب سِح وقهوة، فمنحناه واحدة من التمر ونصف فنجان من القهوة العُمانية، وقد فاض وجهه بالبهجة لهما.
في اليوم التالي، كانت سيارة الإسعاف في انتظاره، وجاء أناس كثيرون لإلقاء السلام على العم خلفان، وجاء الشيخ سالم ورفاقه، استبدلتْ الممرضة ملابسه بأخرى جديدة ونظيفة، قلت مداعبًا له: هذا يوم سعدك يا عم خلفان، الجميع في انتظارك بالخارج.
لم يجب بكلمة، فقط رسم على وجهه ابتسامة جذلىَ، فاستطردتُ: سوف أسمح لك بليلتين فقط، فأنا مشتاق لسماع صوتك، أنتظر منك الإشارة والدليل.
ثم قبضتُ على كفه وربتها قائلًا: اعتبرها هديتك لي التي طالما انتظرتها منك.
لكن العم خلفان لم يقل (زين) ولم يهز رأسه بالموافقة أو الرفض، كان قد فارق الحياة تاركًا على وجهه ابتسامة هادئة.
....................................................................................................................................
([1]) قطع لحوم مشوية على الفحم في أعواد خشبية. مثل الكَبَاب.
([2]) قنوات مائية محفورة في السهول والجبال لنقل المياه إلى المزارع والبيوت.
([3]) مجرى مائي صغير وغير عميق.
([4]) منطقة سكنية صغيرة (حارة أو حيُّ صغير).
([5]) منقوع لب التمر هندي مع الثوم والفلفل الحار. حامض ولاذع في الطعم.
([6]) خبز دائري رقيق جدًا وشفاف، يشبه (الرقاق اللين) في مصر.
([7]) مساعد ممرض (كادر طبي في بعض دول الخليج- تعليم متوسط).
