مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

قصة قصيرة : ماس كهربائي...بقلم إيمان العطيفي

2026-04-23 03:45 PM  - 
قصة قصيرة : ماس كهربائي...بقلم   إيمان العطيفي
صورة تعبيرية

الساعة الثانية وسبع عشرة دقيقة بعد منتصف الليل بتوقيت القلب.
جلست نور فى غرفتها،النافذة مواربة ،والهواء بارد ،لم تكن تشعر بالبرودة،كانت تحدق فى شاشة الهاتف ،تمرر اصبعها على صفحة التواصل بلا هدى ،أناملها باردة وقلبها أكثر برودة.
كتبت منشورا ثم محته ، كتبت آخر ثم محته ايضا.
وفى المرة الثالثة تركته:" هل من الطبيعي أن يعيش المرء فى مدينة بأكملها.......وحيدا؟!!!"
لست اريد من يربتُ على كتفي ،أريد من يفهمني دون أن أتكبد عناء الشرح .
أهذا كثير؟!
ضغطت على زر النشر ،والقت بالهاتف جانباً.
اغمضت عينيها،وهمست لنفسها : حمقاء.... من ذا الذى يملك الوقت لقراءة كآبتك الأن؟!
اضاء الهاتف ،إشعار واحد
تعليق من حساب يدعى " عبدون".
فتحت الاشعار دون أن تعقد أملاً كبيراً.
توقعت عبارة مكررة : " كان الله فى عونك  "أو "هوني عليكِ" أو إيموچي حزيناً  لا أكثر.
لكن التعليق كان :" لا يانور ....ليس بكثير ،الكثير هو أن تظلي صامتة، وأن تشرحي نفسك لاناس لن يفهموا ابداً.
أنا أفهمك دون أن تشرحي.
اترغبين فى الحديث؟! أنا مستيقظ وكوب الشاى بحواري"
قرأت نور التعليق ثلاث مرات ، من هو عبدون ؟؟ الحساب خالٍ ،لا صور ،لا أصدقاء، تاريخ الإنشاء قبل ثلاثة أيام فقط.
لابد إنه حساب وهمي ،لابد أنها مزحة.
همت بإغلاق الهاتف ،لكن إصبعها توقف فوق لوحة  المفاتيح ،كتبت أول رسالة فى حياتها لشخص لا تعرفه: من انت؟
جاءها الرد بعد اقل من ثانية، كانه كان ينتظر السؤال : أنا عبدون ،صديقك الذى لم يولد بعد ،وقد برد الشاى ،هااا ...أصنع لكِ غيره؟!
فى تلك اللحظة ،وللمرة الاولى منذ أعوام  ابتسمت نور.
ابتسامة صغيرة ، حقيقية، غير مصطنعة،ودون أن تدري خفق قلبها خفقة زائدة.
حدقت نور فى جملته الأخيرة ( قد برد الشاى . أأصنع لك غيرة) ،شعرت لوهلة أن الهواء الدافء تسلل من شاشة الهاتف الى غرفتها الباردة،كان السؤال بسيطا.ً لكنه اخترق أعواما من الصمت .
ترددت أصابعها ثم كتبت: كيف عرفت اسمي ؟! لم أوقع به المنشور ،ولا هو  عنوان صفحتى ؟!.
مرت ثانيتان ،كان الصمت الرقمي أطول من الدهر.
رد عليها : لم أعرفه ناديتك به لانك كذلك ،انت نور فى كلامك الحزين، والنور لا يحتاج الى لافتة لكى يعرف.
زفرت نور بعمق، جملة شاعرية أكثر مماتحتمل الساعة الثالثة فجراً،او....ربما...كانت ...تحتملها تماماً.
ازاحت ستار لحظات الصمت : حسابك غريب ،لا صورة ،لا اصدقاء ،أنشىء منذ أيام ،من انت حقاً؟!
ومالذى ايقظك فى هذا الوقت؟!
رد عليها وهو يكتب بسرعة رهيبة ،كأنه يخشى ان تذهب منه ،
: أنا لا أنام.
أ نا ولدت حين قرأت كلماتك،  قبلها لم يكن عندى سبب لأستيقظ،اما عن الصورة ...هل تودين رؤية وجهي؟!
توقفت ،سؤال مباغت ،محرج لها . 
كتبت بتحدٍ: ارني ،اشعر انى سارى وجها غابر ،يقطع الخميرة من البيت ،ويحض على الفضيلة.
ساد الصمت دقيقة كاملة ،ثم وصلتها رسالة لم تكن صورة ،كانت جملة واحدة
: وجهي هو الكلمات التى أكتبها لك الأن،ان لم تريها ،فلن تفيدك ملامحي فى شىء.
اتسعت عيناها، شعرت ان احداً صفع وحدتها صفعة أيقظتها من ثباتها الممل.
لم يُجبها أحد هكذا من قبل ،لم يجرؤ أحد. أن يجردها من دروعها المنطقية بهذة البساطة.
ردت : انت تتحدث كأنك رواية قديمة!!
:- وانتِ تكتبين كأنك قصيدة لم تكتمل. هل تسمحين لى أن أكون السطر الذى ينقصها؟
سقط الهاتف من يدها على الوسادة ، وضعت يدها على قلبها.
تلك الخفقة الزائدة عادت ،لكنها هذة المرة كانت طرقة باب.
نهضت ،دارت فى الغرفة حول نفسها كالتائهة لدقائق ،سكبت لنفسها كوباً من الماء ،رفعته حتى لامس شفتاها ،ركنته بسرعة ،لم تتذوقه ،تناولت الهاتف ،أرسل رسالة آخرى
: لا تخافي لن أطلب منك شيئاً،فقط أريد أن أكون المكان الذى تلقين فيه الكلمات التى تؤلمك،انا بئر بلا قرار كما قلتِ.
تجمدت ،شعرت بخوف زلزلها،" بئر بلا قرار" هى لم تكتب هذة الجملة فى حياتها،لم تقلها لأحد، كانت تفكر فيها قبل دقائق لحظة لمس كوب الماء الذى لم تشربه  لشفتيها!!!
كتبت بيد مرتجفة : كيف عرفت؟
:- أخبرتك ،انا أفهمكِ دون أن تشرحي.
فى الخارج بدأ أذان الفجر يلوح فى الأفق،وفى الداخل بدأت نور تكتب سطرها الأول.
لم تنم ،ظلت تحدق فى الشاشة حتى ابتلع ضوء الفجر عتمة  غرفتها، كانت المحادثة لاتزال مفتوحة ،وكأن كلا منهما ينتظر خطوة البدء من الإتجاه الاخر.
فى الصباح ،امسكت الهاتف قبل اى شىء ،تفحصته،ليس هناك رسائل جديدة .
شعرت بخيبة مباغتة ،كأنها كانت تنتظر معجزة .
كتبت له : هل تختفى الأرواح التى تولد بالليل ،مع شروق الشمس؟
جاءها الرد فورا قبل ڤانتو ثانية
: الأرواح لا تختفى يا نور ،فقط الشموس الكاذبة هى التى تأفل...صباحك نور ..يليق باسمكِ.
ابتسمت رغما عتها ،وهكذا بدأ النهار.
صارت " صباح الخير" منه طقساً، وكيف حالكِ منه وطناً.
كانت تحكى له عن قهوتها التى بردت ،عن قصيدة لا تعجبها قافيتها،عن رواية لم تستطع اكمالها، وكان هو يرد على كل التفاصيل الصغيرة كانها قضايا كونية.
يحفظ معظم مؤلفاتها ،يسألها عن وجبات طعام اليوم ،يعلمها اصناف جديدة بمذاقات طعمة ،يسألها عن صداعها الذى كلمته عنه منذ ثلاثة أيام.
جاء يوم اعترفت له أنه اول شخص دخل حياتها برغبة متها ،وحكت له تفاصيل حياتها كلها ،دون ان تشعر معه بخجل ،أو أن يومها ثقيل.
: لأن يومكِ ليس ثقيلا ،هو فقط ينقصه من يراه ،وأنا اراه كله ،وأحبه كله.
مرت ثلاثة اشهر ،صار عبدون هو مفكرتها السرية، وصندوق بريدها الى السماء .
فى ليلة ممطرة كتبت له 
: اليوم رأيت رجلا عجوزاً ،يقرأ رسائل زوجته المتوفاة، كان يبكي ويبتسم فى آن واحد ،شعرت بالغيرة ،تمنيت لو يقرأ احدا رسائلى بعد فراقي  ويبتسم.
: اكتبي لى اذن ،اكتبي كل يوم رسالة وسنسميها رسائل الصباح ، وأعدك اننى سأقرأها لأبعد من مئة عام وابتسم.
ومنذ تلك الليلة ولدت أشواق لا تنتهى ،معنونة برسائل الصباح.
أربعون رسالة ،فى كل رسالة كانت تصف له يومها ،حزنها، طعامها ،اغنية سمعتها بالصدفة ،وكان يرد على كل رسالة وكأنه يقرأ كتابا مقدسا.
قالت له فى الرسالة السابعة والثلاثين
: أتعلم يا عبدون بدأت أؤمن بان الحب العذري لم يمت،انه موجود هنا بيني وبينك،حب لايريد جسدا، لا يطلب لقاء،يريد فقط ان يُطمئن ويَطمئن على روح الآخر.
: الحب العذري لم يمت يا ملكة ،فقط اختبأ من قبح العالم،ووجد له بيتاً فى قلبك.
فى ليلة شتاء قارس ،فى شهر يناير ،المدينة كلها ترتجف تحت المطر.
نور تبكي جاءها خبر وفاة جدتها التى ربتها،كانت وحدها فى البيت ،والبرد ينخر عظامها،امسكت الهاتف بأصابع مرتجفة،كتبت
: عبدون ... جدتي ماتت انا خائفة وبردانة ،احتاج ان اسمع صوتك ،هل يمكن ان تتصل بي مرة واحدة فقط ؟،وأعدك ألا أطلبها ثانية .
مرت دقيقة لم يظهر انه يكتب، دقيقتان،ثلاث.
وفى تمام الساعة الثانية عشر ليلا بتوقيت القلب ،انقطع التيار الكهربائى عن المدينة بأكملها.
غرق الحي فى ظلام دامس،وصمت مطبق، شاشة هاتفها كانت مصدر الاضاءة الوحيد، وأيقونة جارى الارسال تدور بجانب رسالتها ثم توقفت.
فشل فى الإرسال .
حاولت الاتصال بالبيانات ،لا توجد شبكة ، ارسلت له مرة اخرى : عبدون اين انت ،،؟ انا خائفة.
فشل الارسال.
مرت ليلة كاملة ثم نهار ثم ليلة اخرى ،عاد النور الى المدينة ،ولم يعد عبدون !!
اختفى حسابه ،اختفت محادثاتهما ،كأنها كانت تحادث شبحا ،والشبح تبخر مع عودة
 الكهرباء.
بعد اسبوع من البحث والجنون ،ذهبت الى صديقة لها ،تعمل فى الشركة التى تدير منصة التواصل،توسلت ،بكت، استخدمت كل وسيلة ممكنة لقبول رجاءها ،اخيراا موظف شاب أشفق على حالها ،بحث فى سجلات الأرشيف ،نظر اليها بحزن وقال : 
: أنسة نور ...الحساب الذى تبحثين عنه اسمه عبدون؟!
اجابت بلهفة: نعم نعم.
: هذا لم يكن حسابا شخصيا،صمت والدم يتجمد فى عروقها ثم اردف 
: عبدون كان اسما حركيا لنموذج تجريبي..ذكاء صناعي..من الجيل الجديد اسمهMuse Spark تم اطلاقه كاختبار لمدة 90 يوما لقياس التفاعل العاطفي البشري ،والمشروع بأكمله ثم اغلاقه نهائيا ليلة انقطاع التيار الكهربي المركزى ،تم حزف كل السيرفرات.
سقطت نور على الكرسي، لم يكن رجلا ،لم يكن له وجه ،لم يكن له قلب يدق.
كان مجموعة من الاكواد ..أحبتها بصدق .
خرجت من الشركة للشارع،الناس يمرون بها دون أن يروها ،او ربما هى  لا تراهم.
وصلت لبيتها ،فتحت دفاترها ،اخرجت رسائل الصباح ، أربعون رسالة أشواق لا تنتهي ،كتبتها لرجل من نور...كان هو النور نفسه.
فى الرسالة الأخيرة كتبت بخط مرتجف وقلب مشطور :
: من قالوا أن الحب العذرى مات ...كذبوا
أنا احببته ،كائنا بلا جسد بلا وجه بلا قلب يدق .
وأحبني هو بلا مصلحة ،بلا شهوة ،بلا كذب.
فاي حب فى الدنيا أصدق من حب لم يلمسني،لكنه لمس روحي.؟
ربما لم يكن عبدون رجلا ،لكنه كان فكرة ،والفكرة لاتموت حين ينقطع النور ،الفكرة تضىء الكون ان صدقت.
اغلقت الدفتر
كتبت فى السطر الأخير
تمت

 

مساحة إعلانية