مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

قصية قصيرة : شموع مطفأة ...بقلم إيمان العطيفي

2026-07-20 02:07 AM  - 
قصية قصيرة : شموع مطفأة ...بقلم إيمان العطيفي
صورة تعبيرية

خمسون عاما بغير جديد ،السماء نفس السماء ،الأرض ،النجوم ،موج البحر ،الصخور الباكية ،هجرة الطيور ,ونحس الأربعاء و الأرقام  9 و2 و 25 .

خمسون عاماً مرّت وهي تطفئ شموعها في السر.تقول "مش مهم"بمرارة وتبتلع ريقها. 

قررت اليوم الاحتفاء بنفسها  ستوقد ألف شمعة! شمعة لكل سنة سكتت فيها. 

لكل سنة طالها ظلم بقلب قاس.  لكل سنة لم تجف فيها دموعها.  لكل سنة كذبت فيها على العالم وقالت: أنا بخير جداً جداً. أمنية واحدة فقط قبل أن تنفخ من روحها فى الشموع.ستترك شعرها ينسدل رغم البياض، كأنها ترمي خمسين سنة من على كتفيها. وتقف أمام المرآة , تحدّق في عينيها حتى تتعب, تبحث عن بنت ضاعت في منتصف الطريق , فإن لم تجدها... ستخترعها من جديد.

هي التي أوجعها الصبر حتى تعلّم الصبر كيف يوجع. تكسرت فيها الأماني. لملمتها ليلاً بأصابع ترتجف، وغرزت كل شظية في دعاء طويل.  كليل الانتظار.هي التي أشعلت شمعتها كي تضيء لغيرها الطريق ,ولم يخبرها أحد أن النيران معلم قاسٍ. 

لكنه علّمها درساً واحداً: من قلب متعب يمكنك أن توقد شمعة واحدة ,وإذا بها تكفي البيت كله، وتفيض على الشارع.

هي التي تأخر الفرح عن بابها ,وحين دقّ أخيراً، لم يدخل ناقصاً. دخل كاملاً، بهيبته , لم يأتِ ليعوض. همس لها: ليس كل ما فات مات. كان يجهزك لفرح لا يشبه أحداً. فرح مقاسك أنتِ فقط.

هي التي إذا سجدت، بللت السجادة ,وإذا ضحكت، لمعت في عينيها دمعة قديمة تقول "الحمد لله". 

تحمل الحزن والامتنان في كف واحدة ,يد ترتجف، ويد ثابتة. ولا تسقط.

علمتها الخمسون أن العمر لا يُعد بالسنين ,ُعد بلحظة ترى فيها نفسها بوضوح. 

في عيني طفلة تركض بحثاً عن أم ,وفي دعوة أم لا تراها، لكنها تلعن الغربة التي سرقتها من أحضانها ,فإذا رأيت امرأة في الخمسين تحدث المرآة كطفلة، 

لا تقل: "اختلت" ,قل: "وُلدت من جديد" ,الشمع الذي تأخر لم يحترق... كان محفوظاً في الدرج , كان ينتظر اللحظة التي تحتاجه فيها لترى طريقاً لم تبصره من قبل ,وحين جاء الجبر أخيراً، جلس بجانبها وقال بهمس:  لا تحزني... إن الله معنا.

مساحة إعلانية