مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

ليالي الحج في زهرة... أفراح وزغاريد .. من حكايات زهرة بقلم: مصطفى علي عمار

2026-05-29 01:39 PM  - 
ليالي الحج في زهرة... أفراح وزغاريد .. من حكايات زهرة بقلم: مصطفى علي عمار
مصطفي عمار

أيام الحج في زهرة زمان

في شهر ذي القعدة أو ما قبله في شهر شوال كانت القرية تُقيم الأفراح احتفالًا بالحجاج الذين قُبلوا لحج بيت الله الحرام. وتعرف القرية كلها أن فلانًا قد قُبل للحج، فتذهب الناس لتهنئته.

ويُعلن في منزله أن أفراح الحج للحاج ستبدأ بعد أسبوع مثلًا أو يومين.  
فيُجهَّز المنزل لاستقبال المهنئين وتوزيع المشروبات عليهم من الشربات والعصائر، ويُجهَّز المكان خارج المنزل بالإنارة ورش الأرض بالماء، وتُجمع صفوف من الدك ليجلس عليها الرجال والشباب، فتُعقد أمامها ليالي الفرح تمامًا كما تُعقد ليالي فرح العرس بكل ما فيها.

يتجمع الناس كل ليلة على الدك، ويُوزَّع عليهم مشروب القرفة. والنساء داخل المنزل في تجمع كبير تتوسطه الطبلة يقرعنها، والنساء والبنات يرقصن ويغنين الأغاني الشعبية المحفوظة للقرية في وسط التجمع.  
مثل:  
"هيصوله شوية دا غالي عليه"  
"هيصوله الليلة دا غالي علينا"

"فاطمة يا فاطمة يا بنت نابينا  
افتحيلنا الباب يا فاطمة أبوك داعينا"

"تعالوا يا حبايب معاد الله السفر  
يا حجنا يا حجنا محدش حج زينا"

"الحاج ركب الطابور راح يزور الرسول
الحاج ركب الطيارة راح يتم الزيارة"

"يا ريح قرنقش، قول لأبويه يبيض وينقش دي زيارة النبي
يا ريح تزور، قول لأخويه يزين الدور
دي زيارة النبي"

وفي الخارج، الرجال أيضًا يمارسون فن "الكف" في صفوف متراصة. يبدأون الكف عندما يكثر عدد الناس في الفرح، رجالًا ونساءً. وعند بداية الكف، وكالعادة، تتوقف النساء في تجمعهن عن الطبل والغناء، ويتفرجن جميعًا على فن الكف الخاص بالرجال، الذين يرددون فيه أشعار الأغاني التي يحفظونها أبًا عن جد.

ويبقى الحال هكذا كل ليلة مثل ليالي فرح العرس تمامًا، إلا أن العرس به ليلة الحناء للعريس، أما هذا الفرح فبدون حناء. وتكون آخر ليلة في الفرح هي الليلة التي في صباحها يستعد الحاج للسفر بعد صلاة العصر. وفي هذه الليلة تُعدُّ أسرة الحاج العشاء للعائلة والجيران والأحباب، ويتعشى الجميع مع الحاج بالطبيخ واللحمة.

وقبل الترحال، تُشمِّر الأسرة عن سواعدها لتعدَّ للحاج زاده وزواده للرحلة من المأكولات. فتخبز له العيش والفايش، وتعدّ له اللحمة المحمرة في السمنة، ثم تُعبَّأ في "أكياس" مصنوعة من القماش، أو في "سِبات" من السعف، لتكون خزينًا للحاج في سفره الطويل. فكان الحاج يصحب معه أكثر من سباتة مصنوعة من سعف النخيل، تكون كلها معبأة بالمأكولات والخبز المحمص والفطائر التي تكفيه أيام الحج التي قد تصل إلى أربعين يومًا.

وعندما يحتاج للغذاء يخرج اللحمة ويعيد طهيها على النار فيأكلها وكأنها طازجة.  
ويكون معه أيضًا برطمانات الجبن الفلاحي، والكشك المجف، وبعض الخضار المجف مثل الملوخية الناشفة والبامية الناشفة التي يطلقون عليها "الويكة". وتُصنع له الفطائر ويتم تحميصها لتمكث معه مدة طويلة دون عطب.

وعند الرحيل تستعد القرية كلها عن بكرة أبيها لتوديع حجاج القرية.  
تخرج معهم الرجال والنساء، وتحمل الأطفال الأعلام الملونة والبوارق، وتُقرع الطبول، وتعلو زغاريد النساء، ويلتقي الجميع خارج القرية، ويسير الجميع في موكب كبير يتقدمه الحجاج بملابس الإحرام، رجالًا كانوا أو نساءً.  
وبعض المنشدين ينشدون طوال الطريق أناشيد دينية ومدحًا نبويًا.
ومن الأغاني التي كانوا يرددونها:  
يا نبي يا نبي  
يا اللي ناديته  
يا نبي يا نبي  
رده لبيته وبلّغه حجته

تختلط مع الفرحة والزغاريد دموع الأهل والأصحاب والجيران، فلا يعلم الجميع هل تتلاقى الوجوه مرة أخرى.

ويسير الموكب سيرًا على الأقدام حتى يصل إلى محطة قطار صفط اللبن، القرية المجاورة لقرية زهرة والتي بها محطة سكة حديد.  
وعند المحطة تتوقف الطبول عن الطبل ويتوقف المنشدون، ويبدأ العناق، وتعلو آهات الفراق مع الزغاريد، وتبتل الوجوه بالدموع. ويركب الحجاج القطار ملوحين للجميع بالوداع مرددين: "لبيك اللهم لبيك"، ليتوجهوا إلى محطة أتوبيس المنيا لنقلهم إلى محافظة البحر الأحمر، ومنها إلى مرسى السفن لانتظار السفينة التي تنقلهم إلى السعودية، ومنها إلى المسجد الحرام.

وكان من قبل إنشاء السكة الحديد في مصر لا توجد مواصلات سوى الجمال. كانت الجمال تتجمع عند منزل الحاج ويحملون متاعه على جمل، والجمل الآخر عليه الحاج أو هو وحرمه.

ثم يسير موكب الجمال لكل حجاج القرية، ومعهم بعض الخيول التي تحوط الجميع.  
وتخرج وراءهم القرية أيضًا في موكب بالإعلام والريات والصناجق حتى خارج القرية. ويعود بعض المودعين ويكمل الآخرون حتى يصلوا إلى مديرية المنيا، ثم يودعهم الجميع ويتركونهم يكملون السير بموكب الجمال.  
وتسير الخيول خلفه وأمامه، متجهين إلى الطريق الذي يوصل إلى مدينة القصير بساحل البحر الأحمر ليأخذوا البحر من هناك متوجهين إلى جدة. وكانت رحلتهم من القرية إلى القصير قد تأخذ شهرًا من الأيام، مما يضطرهم للسفر قبل شهر ذي القعدة، حتى تطأ أقدامهم الأرض الشريفة في ذي القعدة أو أول شهر ذي الحجة.

وعندما يعود الأهالي والناس من توديع الحجاج، تبدأ مرحلة أخرى:  
تنظيف المنزل وتبيض حوائطه من الداخل والخارج، فيعود المنزل جديدًا براقًا لاستقبال الحاج بعد عودته. فلا بد أن يأتي ليجده قد جُدِّد بالألوان والفرش، إيمانًا منهم بأن الحاج يرجع كما ولدته أمه نقيًا من الذنوب، فلابد أن يعود ليجد المنزل أيضًا جديدًا.

ومن العادات الطريفة أن أسرة الحاج تستدعي فنانين ورسامين وخطاطين ليكتبوا ويرسموا على حوائط المنزل من الخارج والداخل رسومات معبِّرة عن الحج: مثل المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والكعبة.  
ومن الضرورة أن يُكتب على واجهة المنزل بالخط العريض:  
"هذا منزل الحاج فلان بن فلان حج بيت الله الحرام، هو أو هو وزوجته الحاجة فلانة"، ويكتبون بالإشارة بكلمة "حُرمه"، ويكتبون ذلك في عام كذا. ومنهم من يضيف: "حج بيت الله وطاف ولبّى وزار، ورجع كما ولدته أمه مغفورًا له".

ومن الطرائف أيضًا أن الرسامين كانوا يتخيلون رحلة الحج للحاج ويرسمونها.  
وتذهب الناس في القرية إلى منزل الحاج أثناء تبييض منزله والرسم عليه مهنئين، ويصطحبون أطفالهم معهم حتى يرسمهم الفنان على الحائط ويكتب أسماءهم تحت الرسومات، بناتٍ أو أولادٍ. فيفرح الأطفال، وكلما مروا أمام المنزل يتباهون بأن هذه الرسومات والأسماء لهم.  
وكان والديهم يعطون "النقطة" من المال للفنان ابتهاجًا بهذه المناسبة، ويظل الفنانون والمساعدون حتى ينتهوا، ثم يُسلِّموا المنزل كما أمرتهم الأسرة بالرسومات والكتابة عليه.

ويُهيَّأ المنزل في انتظار الحاج على أحرّ من الجمر.  
وتبدأ المراسلات عن طريق البريد، وما أشد معاناة البريد في ذلك الوقت! رحلة طويلة يقطعها الخطاب من مكتب بريد إلى مكتب، حتى يصل من السعودية إلى مصر، ثم إلى المكاتب التي بدورها توصله إلى يد الأهل.  
فتعلو الزغاريد في المنزل والقرية كلها: "الحاج فلان أرسل خطابًا وهو بخير"، ويطمئن الجميع، ويحكي فيه عن رحلته إلى بيت الله والمسجد النبوي، ومدى سعادته هناك، داعيًا للجميع أن ينالوا زيارته. وفي الختام يسأل المولى أن يلقاهم على خير.

وعند علم العائلة بوصول الحاج من رحلته تستعد، ويخرج الرجال لاستقباله. ويخرج رجال العائلة ومعهم الشباب والصبية في موكب بالإعلام والبوارق والطبل مرة أخرى، ينتظرون مجيء الحاج عند محطة القطار.

وعند وصوله ونزوله من القطار تُطرق الطبول وتُرفع الأعلام ويستقبلونه بالأحضان، ثم يأخذون متاع الحاج ويحملونه في سيارة لتنقل متاعه إلى منزله، ويسيرون في موكب على الأقدام ويتوسطهم الحاج يسلم عليه كل من يقابله في الطريق مع صوت الطبول والأناشيد والأغاني الدينية حتى يصل إلى منزله، فتستقبله النساء بالزغاريد والطبل والأغاني الشعبية.

ثم ينصرف الناس ويبقى الحاج مع أسرته، ويتركه الجميع كي يرتاح من سفره.  
وثاني يوم يتوجه إليه الناس مهنئين، ويوزع عليهم الحاج السبح والطواقي البيضاء وقارورة فيها ماء زمزم والجلاليب البيضاء، ومصليات للصلاة عليها للفرد، وأقمشة للفقراء رجالًا ونساءً كي يفصلون منها أثوابًا وجلاليب، كهدايا منه. فهذا له سبحة وذاك له طاقية، وهذا له جلباب والآخر له مصلى، فكل حسب واجبه مع أهل الحاج من قبل يرد له في هدية العودة.

ويجلس الحاج ويلتف حوله الجميع متشوقين لسماع سرد رحلته وزيارته للأراضي المقدسة.

وتبدأ السهرة عند الحاج كل يوم من بعد صلاة العشاء حتى منتصف الليل، يتوسط الجلسة "راكبة النار" للتدفئة لو كان التوقيت شتاءً داخل مندرة العائلة، أو خارج المندرة أمام المنزل لو كان التوقيت صيفا في جلسة معدة لذلك على أرائك الدك. تبدأ الحكايات مع أكواب الشاي الساخن، والأطفال يجتمعون حولهم فرحين، والنساء من خلف الحجرات يزغردن.

وفي جلسته  يسرد الحاج كل ليلة حكاياته في حجه مرتديًا جلبابه الأبيض وطاقيته البيضاء وفي يده سبحة يسبح بها، وكأنه يؤكد للناس التزامه بعهده مع الله بعد الحج أنه عاد تائبًا ذاكرًا. ويسرد للحاضرين كيف أنه شهق وبكى عندما رأى الكعبة لأول مرة من بعيد، وعندما اقترب منها كيف زاد تهليله، وكيف شعر بالنور الذي يخترق صدره فيريح نفسه.  
وكلما قص على الجالسين قصة مما حدث معه في حجته طلب منه أحدهم أن يحكي لهم عن شيء آخر، وربما اختار السؤال: حدثنا عن رمي الجمرات، أو حدثنا عن الصفا والمروة، أو حدثنا عن زيارة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم. والحاج يسرد دون ملل وسط تهليل الجالسين وتكبيرهم مع الدعاء بأن يكتب لهم الله حجة بيته.

ويظل الجميع في جمع لاستماع الحاج حتى ينتهي من قص رحلته من وقت وداعه على محطة القطار حتى عودته مرة أخرى.  وكل يوم يجتمع في منزل الحاج أعداد أخرى لسماعه، ويظل الحال لمدة أسبوع، أو أسبوعين، أو أكثر..حتى يعود الحاج إلى حياته الطبيعية ولزراعته في حقله أو لتجارته أو لوظيفته، كل حسب دوره في الحياة.

مساحة إعلانية