مساحة إعلانية
كتب / صابر جمعة سكر
في سابقة قضائية بالغة الأهمية، وخطوة فارقة في مسار العدالة الجنائية المصرية، أرست محكمة النقض مبدأً قانونيًا جديدًا يقضي بجواز إعمال قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025، استنادًا إلى قاعدة «القانون الأصلح للمتهم»، حتى ولو كان ذلك قبل بدء نفاذه رسميًا.
وأكدت المحكمة أن العبرة في تطبيق القانون الأصلح لا تتوقف على تاريخ النفاذ أو النشر بالجريدة الرسمية، متى كان النص الجديد أرفق بالمتهم وأقرب لتحقيق العدالة، وذلك وفقًا لما استقر عليه قضاؤها في الطعن رقم 19687 لسنة 93 قضائية، بجلسة 1 ديسمبر 2025.
وقائع القضية: إعدام رغم الصلح
وتعود وقائع القضية إلى أن محكمة الجنايات قضت بالإعدام في جريمة قتل عمد، دون أن تُعمل أثر الصلح المقدم من ورثة المجني عليه، متجاهلة نص المادة (22) من قانون الإجراءات الجنائية الجديد، والتي أوجبت تخفيف العقوبة وجوبًا، تطبيقًا لنص المادة (17) من قانون العقوبات، متى ثبت الصلح في جرائم القتل العمد أو الضرب المفضي إلى الموت.
محكمة النقض: صدور القانون يكفي لإعمال الأصلح
وانتصرت محكمة النقض لجوهر العدالة وروح التشريع، مقررة أن صدور القانون الأصلح للمتهم يُعد كافيًا لتطبيقه، دون اشتراط بدء سريانه فعليًا، طالما كان أكثر رأفة، ويحقق التوازن المنشود بين مصلحة المجتمع وحقوق المتهم.
وشددت المحكمة على أن الجمود عند حدود التواريخ الشكلية يُفرغ العدالة من مضمونها، ويحول النصوص القانونية إلى قيود جامدة تتعارض مع مقاصد التشريع.
الصلح الجنائي: أثر قانوني لا يجوز إغفاله
وأكد الحكم أن الصلح الجنائي، متى استوفى شروطه القانونية، لا يُعد إجراءً شكليًا أو واقعة هامشية، بل يترتب عليه أثر جوهري يتمثل في تخفيف العقوبة وجوبًا، باعتباره أحد أدوات السياسة الجنائية الحديثة التي تستهدف تهدئة النزاع وتحقيق السلم المجتمعي.
واعتبرت محكمة النقض أن تجاهل الصلح يمثل خطأً في تطبيق القانون يوجب نقض الحكم.
الإجراءات في خدمة العدالة لا العكس
وأرست المحكمة مبدأً مهمًا مؤداه أن قانون الإجراءات الجنائية ليس غاية في ذاته، وإنما وسيلة لتحقيق العدالة، وأن الفصل بين الشكل والجوهر يُفضي إلى إهدار الحقوق، لا إلى صونها.
وأوضحت أن التخفيف الوجوبي للعقوبة عند توافر سببه ليس منحة قضائية، بل التزام قانوني يتعين على المحكمة إعماله.
دور النقض: تصحيح المسار وحماية المشروعية
وجدد الحكم التأكيد على الدور الدستوري لمحكمة النقض في تصحيح أخطاء التطبيق، وضمان وحدة تفسير القانون، وعدم السماح بانحراف الأحكام عن مقاصد المشرع أو المبادئ المستقرة للعدالة الجنائية.
بين الردع والرحمة: فلسفة العقاب الحديثة
ويعكس هذا الحكم تطورًا ملحوظًا في فلسفة العقاب، القائمة على تحقيق التوازن بين الردع العام والرحمة، بحيث تكون العقوبة وسيلة للإصلاح، لا أداة للانتقام، مع الحفاظ على هيبة القانون وحماية المجتمع.
خاتمة
لا يُعد هذا الحكم مجرد اجتهاد قضائي عابر، بل يمثل علامة فارقة في تطبيق مبدأ القانون الأصلح للمتهم، ويؤسس لاتجاه قضائي جديد يُعيد الاعتبار لروح التشريع، ويعزز الثقة في العدالة الجنائية .