مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

ملامح من تجربة الشاعر أشرف البولاقي بين القصيدة والنص.. بقلم طارق الجمل

2026-07-29 11:04 PM  - 
ملامح من تجربة الشاعر أشرف البولاقي بين القصيدة والنص.. بقلم  طارق الجمل
وأنت تشاهد فيلم The Bridges of Madison County جسور مقاطعة ماديسون

قراءة لديوان اشرف البولاقي : وأنت تشاهد فيلم  The Bridges of Madison County جسور مقاطعة ماديسون

المقدمة:

يُعد الشاعر أشرف البولاقي من الأصوات التي تركت أثرًا واضحًا في المشهد الشعري المصري والعربي منذ تسعينيات القرن الماضي.

وُلد في مدينة قنا بصعيد مصر، وعرف "بالبولاقي" لقبًا أدبيًا.

وتتميز تجربته بأنها تقف على عتبة بين جنسين: القصيدة بتراثها وتكثيفها، والنص بانفتاحه وانسيابه.

وسنحاول في هذه المحاضرة رصد أربعة ملامح أساسية في هذه التجربة من خلال قراءتنا لديوان: وأنت تشاهد فيلم  The Bridges of Madison County جسور مقاطعة ماديسون.

أولاً: ملمح اللغة: الفصاحة البسيطة، حيث تجنّب البولاقي لغتين: لغة القاموس المتقعرة، ولغة السوق المبتذلة.

اختار البولاقي لغة ثالثة فصيحة، واضحة، قريبة من المتلقي.

يعتمد فيها على المفردة البسيطة  ويضعها في سياق شعري: "الستر، الصحة، العافية، الجوع".

ويصنع صوره مباشرة لا تحتاج إلى مفتاح تأويل، وهذا ما جعل نصه يصل بسرعة إلى القارئ العادي، حيث يقول في قصيدة "عن السبت والموز وأشياء أخرى"

 هؤلاء الذين يطمعون في الجنةِ

ويخافون النار

هؤلاء الذين ينامون قبل منتصفِ الليل

حالمين بالسترِ والصحةِ والعافية

هؤلاء الذين يأتون نساءَهم

في ليالي الخميس

لا يعرفون شيئًا عن الحب

لا يعرفون أن اللهَ خَلق العالمَ

في ستة أيامٍ

ثم نبت الموزُ صباحَ السبت.

ثانياً: ملمح الجذر والبيئة : نلاحظ أن البيئة الصعيدية والقنائية بصفة خاصة حاضرة بقوة في نصه.

* في نشأته؛ فيقول في قصيدة "صيف واحد .. وفؤاد يتيم"

اصطَحبَ أبي منذ سنين بعيدةٍ

شتاءنا ثم مات

وتَركَني وأمِّي...

تصنع الطعامَ وأبيعُه في الشوارع

وبعد عذاباتٍ وجراحٍ وهزائمَ

قررتُ أن أكون شاعرًا

لكن الشِّعرَ كان يَخلعُ

ملابسَه للمارة والعابرين

لم يكن معي وقتَها

غير صيفٍ واحدٍ وفؤادٍ يتيم

فاخترت أن أكون مثقفًا

على كتفي حقيبةٌ مِن هموم

أحِبُّكِ الآن بصيفٍ واحدٍ

لن يفي بالعناق

وفؤادٍ يتيمٍ كثيرِ البكاء

أحِبّك لكنني مشغولٌ بقضيةٍ

أكبرَ من المَجاز والبلاغةِ

* في نبرة الحزن الهادئ، فيقول في قصيدة "أن أكون ديكستر مورجان"

أحقِدُ عليهم كثيرًا

هؤلاءِ الذين ينامون عصافيرَ

ويَصبحون فرَاشات!

كيف يَظهرون سعداءَ هكذا

بينما أنا محبَطٌ وحزين؟!

* في الكبرياء الصامت، فيقول في قصيدة "ميت لا محالة"

أعرفُ تمامًا

أنك لا تحبينني الآن

لكنني لا أبالي

فهناك مَن يحِبني كثيرًا

وأنا واثقٌ

أن الخياناتِ الصغيرةَ التي ارتكبتُها

لن تهدّد عرشي

وأن المَعاركَ التي تفتعلينها كل ليلةٍ

لن تعكّر صفوَ مِزاجي

* في الانشغال بالإنسان البسيط يكتب عن الاغتراب والفقد والحنين، لا كقضايا كبرى، بل كحالات يومية يعيشها الناس، فيقول في قصيدة " الغرباء.. والذين ليسوا كذلك"

سيحدثُ الآنَ

أن يقفَ الغرباءُ مبتسِمينَ ببابِك

مطمئنين تمامًا أن الشتاءَ بعيد

وأن حزنَ الأرامل لن يستمِر طويلً

ما دامت الخَناجرُ

تَعرفُ موعدَ الطعنة

وموضِعَها جيدًا

افتحي البابَ

واسألِيهم عن أحوالِهم

عن آخِر مرةٍ عانَقوا فيها زوجاتهِم

أو أرسَلوا لهنّ قُبلَةً في الهواء

عن كتابٍ قَرَأوه..

أو دمعةٍ ذَرفوهَا

وهُم يُطالِعون وجوهَهم في المَرايا

ثالثاً: ملمح الشكل - الإقامة في الوسط هذا هو جوهر التجربة.

 البولاقي لا يكتب عمودًا، ولا يكتب نثرًا خالصًا.

هو يكتب قصيدة النثر في أغلب أحواله: مقاطع قصيرة، سطر واحد، نفس متقطع.

وأحياناً يلجأ إلى النص النثري الطويل ذي النفس الواحد.

فصار شكله تعبيراً عن مضمونه: إنسان يقف بين مكانين، وزمنين، وحالتين.

فيقول في قصيدة "بورتريكو بورتريكو .. يد تصنع النعناع"

قبْلَ أن تمُدَّ يدَها

كانت الشمسُ

تَرجُ عاريةً في موعدها تمامًا

والعصافِيرُ هي الأخرى

كانت تمارِس طقسَها الصباحِيَّ

غيرَ عابئةٍ بالذي دَبَّرته السماء

وكان نعناعٌ كثيرٌ

يَنبُتُ في أرض الله الواسعةِ

ولا يَنبتُ في أرضِ

بينما يقول في قصيدة "عناق مؤجل"

كيف لي أن أهمسَ في أذُنيكِ

بالذي تَنتظرين مِن معسول الكلام

والمكانُ مضاءٌ بلمباتِ النيونِ

وليس مِن شمعةٍ واحدةٍ

تَترقُ انتظارًا لأصابعِنا

وهي تتسلّلُ على ضوئها

المكانُ الذي اخترتِه للقاء

بلا مِقعدٍ ولا أريكة

السريرُ الذي في الركنِ

ضيقٌ وصغيرٌ

رغم طولِه واتساعِه

الأسِّرةُ صالحةٌ

لبكاء الزوجاتِ

وندمِ الأزواج

على اختياراتهِم السيئة

رابعاً: ملمح المضمون - ثلاثية الحب والفقد والمقاومة

الحب: حب هادئ، يومي، بلا بطولة. حب الانتظار والرسالة والتحية، فيقول في أحد نصوص "قصائد قصيرة"

عن امرأةٍ غادرت أحزانَا في فؤادي

عن فؤادي الذي لم يَسألِ المرأةَ

عن أحزانها التي غادَرَتها

عن آخر قبلةٍ تطير في الهواء

سأكتبُ قبل أن أموت!

 الفقد: فقد الأشخاص، وفقد المعنى، وفقد زمن مضى، فيقول في قصيدة "شتاءات يتيمة لا نعرفها"

تقول الأمُّ الطيبةُ لنفسِها

عاقبَتني السماءُ لأنني لم أغَنِّ

مضى أبي

وماتت الأغنياتُ

حين مات «عبد الحليم !»

كيف أجاءني المَخاضُ

إلى فتنة الموسيقى

وأنا غيرُ صالحةٍ للغناءِ الجميل؟.

المقاومة: مقاومة النسيان بالكتابة، وتوثيق العادي والبسيط، حيث يقول في قصيدة "شتاءات يتيمة لا نعرفها"

خمسٌ وأربعون سَنةً

كافيةٌ لتتذكر كيف واجهتْ هزائمَك القديمةَ

كما يتذكر النورمانديون الآنَ

كيف واجهوا الحلفاءَ

بشواطئَ مملوءةٍ بالحنين

أو كما يتذكر (أكثم) زلزالَ أكتوبر

وكيف سَقطت به حجرةُ نومه إلى الجحيم!.

الخاتمة تعلمنا من تجربة أشرف البولاقي أن الشعر لا يحتاج إلى ضجيج.

وأن الشاعر يمكن أن يقيم في "المسافة" بين القصيدة والنص، ويخلق لنفسه صوتًا خاصًا.

صوتٌ هادئ، صادق، منتمٍ إلى الناس وإلى لغتهم.

 

مساحة إعلانية