مساحة إعلانية
الناقد الدكتور / وائل النجمي
هل يجوز أن أقدم نقدا لمقاطع الريلز؟ لقد صارت إبداع العصر الحديث، ماذا إن حللت مقاطع ذلك الرجل الذي يجد نفسه حائرا في تعليم طفله العد حتى الرقم عشرة؟ هل أقول أن كافة تقنيات الاستعارة والتشبيه والكناية موجودة هنا، وأننا بصدد سمات أدبية ذات خصائص متكاملة، فالأب الذي يبدو ساذجا بدون حيلة في مواجهة طفله الصغير يصبح هو صاحب الدور الثانوي، والطفل الجهبز الذي يعرف كيف يفرغ أبيه من كل حيلة، ويمضي الوقت دون أن يفعل الواجب هو بطل المراوغة الأول، إنها استعادة لبطولة العيارين والشطار التي كنا نقرؤها في مغامرات التراث، والبطولة هنا في الهرب من حل الواجب، وكأننا نشاهد علي الزيبق وهو يهرب بالمكر والحيلة من كل مكيدة، لكن هنا يتم تصوير المذاكرة كأنها مكيدة وهي ليست كذلك، هذا الواجب البسيط وتحمل مسؤولية العد هو ما سيصنع من ذلك الطفل رجلا ناضجا في المستقبل، ترى ما شعور الأطفال وهم يشاهدون كل هذه المقاطع التي تحث على عدم المذاكرة؟ وعلى التحايل على أولياء الأمور، والتهرب من كل مسؤولية، والاستمرار في مسؤولية واحدة فقط، مشاهدة الهاتف لأطول وقت، ومشاهدة المزيد من مقاطع الريلز، وحفظ حركات وأغاني المهرجانات. وهب أنني قمت بهذا النقد، والذي يتوفر لدينا الكثير من الوسائل التحليلية التي يمكننا أن نحلله بها، من التحليل النفسي، أو البنيوي، أو الأسلوبي، أو التأويلي، أو الما بعد كولونيالي، أو الما بعد حداثي إلى آخره من المناهج النقدية التي سنخرج منها بعشرات الاستنتاجات حول الرسائل الكامنة في عشرات الآلاف من المقاطع، فلمن سنقدم النتيجة؟ من المهتم بقراءة نتائج نقد مقاطع الريلز؟ الأطفال والكبار من جمهورها أساسا هجروا القراءة، ومنتجوها يهمهم أن يزيدوا تفاعل الجمهور أكثر، وتفاعل الجمهور مرتبط بمخاطبة الغرائز والاحتياجات النفسية للتسلية والترفيه، ترى هل يكون الحل في مقاطع ريلز نقدية؟ لكن إن دخلنا لتلك المنطقة فسنخضع لذات شروطها، سيتحول النقد إلى سخرية، ويصبح الهم المزيد من نسب المشاهدة، وهو ما قد يفقده قيمته العلمية. ترى لماذا مثل هذا الأمر لا يشغل أحدا من نقادنا الكبار؟ في اعتقادي أن منشئي المحتوى حلوا محل المثقف التقليدي، صاروا هم الآن من يشكلون جمهور المتلقي، ليس كاتبوا مقالات الرأي، ولا حتى مقدمو برامج التوك شو، يكفي الآن أن ترد كلمة في مقطع ريلز، وتتحول لترند، حتى تصبح على لسان الشباب والأطفال وبعض من الكبار أيضا، هل وصل أي مثقف عربي في أي وقت سابق لإحداث مثل هذا التأثير بمثل هذه السرعة الفورية في استجابتها؟ وبمثل هذا العمق والنجومية في نفوس متلقيه؟ وبأي قدر يؤثر ذلك على تلقي باقي الفنون الإبداعية والكتابية؟ وهل الظاهرة هي نفسها في مختلف ثقافات العالم؟ أم ما تزال الثقافة التقليدية من كتب ومقالات وقراءة تحتفظ بمكانتها في مواجهة هذا الطغيان المرئى في باقي أنحاء العالم؟ هل يمكن اعتبار منشؤوا المحتوى من عناصر القوى الناعمة؟ أي سلطة ثقافية يمكن أن يخضعوا لها؟ وأي منظومة قيم يمكن أن ننقد مقاطعهم وفقا لها؟ هل نترك الأمر بدون دراسة؟ ومن المنوط به دراسته وتحليله؟ لو فكرتم لوجدتم الأمر يحتاج التأمل والتحليل والدراسة والنقد، فما رأيكم في هذا الأمر ؟