مساحة إعلانية
وفيتُ... حتى لم يعدْ
في القلبِ متَّسعٌ لجرحٍ جديدْ،
ومضيتُ أحملُ للذين أحببتُهم
عمرًا من الودِّ النبيلِ،
وقلبًا لا يملُّ من العطاءِ،
ولا يخونُ إذا الزمانُ بهم يجورْ.
أعطيتُهم روحي،
وخبَّأتُ انكساراتي لأجبرَ كسرَهم،
ومسحتُ عن دربِ الخطى أحزانَهم،
ووقفتُ حين تخلَّى عنهمُ كلُّ البشرْ،
وحين مالتْ قامتي من ثقلِ ما حملتُه،
لم ألقَ غيرَ الصمتِ يسألني:
أهذا أنتَ؟ أم هذا الذي قد كانَ بالأمسِ السندْ؟
يا خيبةَ القلبِ الذي
أعطى بلا حسابٍ،
وظنَّ الودَّ عهدًا لا يضيعْ!
فإذا الذينَ سقيتُهم من نبضِهِ
قد أنكروا حتى الينابيعَ التي
من مائها شربوا،
وأنكروا اليدَ التي
مدَّتْ إليهم حين أعياهم طريقْ.
خانوا العهودَ،
وبدَّلوا وجهَ الودادِ جحودْ،
وتساقطتْ من أعينِ الأيامِ أقنعةُ الوجوهْ،
فبدا غريبًا في الزحامِ
مَن كان يمنحُهم أمانًا واحتواءْ.
ما أقسى الخذلانَ حين يكونُ من
قلبٍ منحتَ له الأمانْ!
وما أمرَّ الغدرَ حين يجيءُ من
يدٍ صافحتَها دونَ خوفْ!
بعضُ الوجوهِ إذا ابتسمتْ
أخفتْ وراءَ ضيائِها
ليلًا طويلًا من نفاقْ،
وبعضُهم يأخذُ الجميلَ
كأنَّه حقٌّ له،
فإذا طلبتَ ودادَهُ
أنكرَ الطريقَ وأنكرَ المعروفَ والإنسانْ.
لكنني، رغمَ الجراحِ،
لن أبيعَ نقاءَ قلبي بالمرارةْ،
فالطيبونَ وإن أساءَ إليهمُ
بعضُ اللئامِ،
يظلُّ في أرواحِهم
شرفُ العطاءِ ورفعةُ الإنسانْ.
سأمضي، ولن أستجدي الوفاءَ
من الذينَ تكسَّرتْ فيهم معانيهْ،
ولن أمدَّ يدي لمن
جعلَ الكرامةَ سلَّمًا لمصالحِهْ،
يكفينيَ الآنَ أنني
ما خنتُ عهدًا،
ما بعتُ ودًّا،
ما اتخذتُ من الوفاءِ قناعْ.
وفيتُ حتى انتهيتُ...
لكنَّني لم أنتهِ،
فأنا الذي رغمَ الخذلانِ استقامْ،
أما الذينَ تنكَّروا لعهودِهم
فسيحملونَ على المدى
عارَ الجحودِ،
ووصمةَ النكرانْ.